تحليل النصوص: النص السردي “أبواب الأمل” لنجيب محفوظ

تحليل النصوص: النص السردي ” أبواب الأمل” لنجيب محفوظ

الجذع المشترك للعلوم والتكنولوجيات

في إطار النص
– السرد نقل الأحداث من صورتها الأصلية (المادية) الواقعية أو المتخيلة إلى صورتها اللغوية ضمن خطة فنية مضبوطة وواعية بأبعادها الجمالية ووظائفها السوسيوثقافية ورؤية سردية محددة تستحضر مكونات القصة من تنظيم للأحداث على محور الزمن، وتأثيث للفضاء وتعيين لأدوار القوى الفاعلة وخصائصها وعلاقاتها وأبعادها الواقعية والرمزية وبناء لمسارات الحكي وعناصر التشويق وأوضاع السارد …. إلخ.
– تعكس الصورة الموازية للنص ملامح فضاء شعبي شرقي من أهم مكوناته مسجد كبير له مئذنتان شاهقتان وقبة، وتزينه من الخارج أقواس جميلة للنوافذ والأبواب وتعلوه نقوش مثلثة وتشرق جدرانه بألوان زاهية منمنمة، وتقابله بناية قديمة تعلوها شرفات بدعائم خشبية يطل من أحدها رجل تحيط بوجهه لحية سوداء متوسطة ، ذوسحنة سمراء، يلبس جلابية مصرية، ويضع على رأسه طربوشا أحمر، يرنو بعينيه إلى زقاق ضيق غطي بعضه بقماش يحجب أشعة الشمس، والزقاق غاص بكتل بشرية يبدو من ملابسها الرجالية والنسائية التقليدية أنها من بداية عصر النهضة في فضاء من فضاءات القاهرة القديمة التي تعج بحركة تجارية نشيطة تدل عليها أنواع الدواب المحملة بالبضائع أو المستخدمة للنقل وكثرة الدكاكين الصغيرة على ضفتي الزقاق.
– النص لنجيب محفوظ روائي مصري معاصر حاصل على جائزة نوبل للآداب لرواياته الكثيرة والمتنوعة التي عالج فيها أوضاع المجتمع المصري بكل فئاته وخاصة هموم الطبقة الشعبية البسيطة، والتي منها “حضرة المحترم” ومنها هذا النص.
– يوحي عنوان النص بأحداث تشكلت على محورين: محور يرسم أفقا يتسم بالضيق والمحدودية والارتكاس، لايلبث أن يتغير بعوامل معينة ليفسح المجال لحركة إيجابية على محور آخر مشرق منفتح على الرحابة والتطور، يدفع بواقع الشخصية إلى منعطفات غير منتظرة تجسد بلوغ الأمل وتحقق الحلم، وهو ما تشع به لفظتا العنوان ” أبواب الأمل ” المحيلتان على جملة الأوضاع والأحداث والفضاءات التي أسهمت في حصول الأفضل. نفترض إذن أن النص يحكي عن شخص يسترجع ماضيه من خلال مشاهد الحاضر في الحارة.
القراءة التوجيهية
1- ترتبط الشخصية الرئيسية بفضاء حارة الحسيني ارتباطا نفسيا وثيقا فيه كمّ هائل من الألفة والاندماج والامتنان، إذ يعدها وطنه وامتداد روحه وجسده، فيها تفتحت حواسه ونضج وعيه وأصبح لحياته معنى، وفيها ترعرعت أحلامه وصارت شخصيته محط تقدير واحترام، وفيها جذوره ودفء الانتماء وعرى الصداقة والجوار وذكريات الماضي والحاضر.
2- ركز الوصف في النص على المظاهر الشعبية للحارة باستحضار مؤثثاتها البسيطة والمتواضعة وأماكنها الضيقة ذات الأبعاد المحدودة (موقف للكارو – مسقى للحمير – باحة صغيرة لعربات اليد – أصوات مرتفعة …)
3- السمة الاجتماعية الأساسية للشخصيات في النص هي االفقر أو مجاوزة عتبة الفقر قليلا كما هو الشأن بالنسبة لأم حسني التي استطاعت بكدها الطويل أن تبني بيتا صغيرا من ثلاثة أدوار، ومعظم الشخصيات إما عاملة كادحة، أو سواق كارو أو شيخ كتاب، وتتسم شخصيات النص عموما بسمتين متناقضتين مرتبطتين بسياقين مختلفين: مادي اقتصادي وروحي نفسي. فإذا كانت الشخصيات تنتمي إلى فئة اجتماعية متواضعة لا تملك وسائل الرفاهية فإنها بالمقابل تحيا في بحبوحة من من القناعة والرضى والصبر والتسليم.
4- تعد أم حسني نموذجا للمرأة الكادحة المتسمة بعلو الهمة والصبر على كثرة العمل والقدرة على تدبير الموارد المالية البسيطة لتأمين مستلزمات الحياة وتوفير موارد مساعدة في الترقية الاجتماعية.
5- توقع الأب لابنه أن يكون سائق كارو مثله على عادة الأسر التقليدية ا لفقيرة في توريث حرفها لأبنائها طالما أنها لا تملك المال اللازم للإنفاق على تدريسهم وضمان مستقبل جيد لهم.
6- أنقذت المدرسة البطل من مصير متواضع بتمهيد الطريق أمامه لتحقيق النجاح وإبراز قدراته ومواهبه، وفتحها له أبواب الأمل نحو مستقبل مشرق.
القراءة التحليلية
– يدور المقطع السردي حول حدث رئيسي هو: التحاق عثمان غير المتوقع بالمدرسة، وما نجم عن هذا الفعل من تغيير لمصير البطل.
– نظم الكاتب الحكي في ثلاث لحظات:
لحظة البداية: تمثل الحاضر على محور الزمن وهي لحظة تأمل البطل ومشاهدته الفضاء حوله مشاهدة تبدأ محصورة في الحجرة ثم تتسع عبر النافدة لتطال فضاء الحارة مستحضرة الارتباط النفسي بالمكان وبالشخصيات التي تتحرك داخله.
لحظة استرجاع الماضي: باستعراض ذكريات الطفولة وأيام الدراسة، وتسجيل لحظة التحول وبداية الحلم.
لحظة العودة إلى الحاضر واستشراف المستقبل: يجسدها استمرار الحلم وانسجام الذات وتواصلها الايجابي مع أوضاع الحاضر ورموز المكان وحركة الفاعلين فيه، وتطلعها إلى مزيد من دروب الأمل وخيوط الحلم. ورغم ما يتسم به النص من تداخل لهذه البؤرالرئيسية التلاثة، عبر الاسترجاع والوقفات الوصفية وتدخلات السارد، إلا أن السمة الغالبة التي تطبع ترتيب الأحدات على محور الزمن هي الخطية والتسلسل الطبيعي، ناهيك عن كون الزمن يبدو مترابطا مختزلا كأنه زمن واحد ممتد بنفس الأبعاد والإيحاءات، يشع بالحميمية، ويلتحم بكيان الشخصية فيصنع ماهيتها.
– وسمت الشخصيات في النص بمجموعة من السمات تكشف عن هوياتها ومظاهرها الاجتماعية والنفسية والفكرية، في إطار العلاقات التي تنسجها بينها:
البطل: عثمان بي بيومي، أبوه سائق كارو، ابن حارة الحسيني، من أسرة فقيرة، ذكي ومتفوق، طموح مفعم بالأمل، مرهف الإحساس، ناضج الوعي، متفتح الحواس، مرتبط بالحارة، محترم داخلها.
أم حسني: صديقة أم البطل، زوجة لسائق كارو آخر، امرأة مسنة، كادحة، صبور وفية، متضامنة، خشنة الصوت، محظوظة، متوسطة الحال، ربة البيت الذي يسكنه البطل.
أم البطل: زوجة وفية، عاملة كادحة، ماتت وهي تكدح، ليس لها ملامح واضحة في النص.
أب البطل: العم بيومي، رجل فقيرمحدود التفكير، سائق كارو، غير طموح، قانع بقدره راض به.
شيخ الكاتب: متعلم، فقيه مقبول المشورة، مصلح اجتماعي وفاعل إيجابي يسدي النصيحة ويحرص على التدخل لتغيير الأوضاع البائسة ومواجهة ثقافة اليأس والإستسلام.
– تفاعلت الشخصيات المتحركة في النص عبر مجموعة من العلاقات والأدوار والوظائف تفاعلا إيجابيا جعل منها في الغالب عوامل مساعدة، غير أن شخصية الأب وحدها تغيرت وظيفتها بشكل دفع الحدث الى النمو، فالأب كان عاملا معاكسا لتحول البطل بفعل محدودية التفكير وقيود التقليد والفقر ثم أصبح عاملا مساعدا بعد تحول طرأ على وظيفته بفعل عامل مساعد آخر (شيخ الكتاب). أما باقي الشخصيات فتبدو جاهزة ومواقفها ثابتة وخصائصها متطابقة، باسثناء البطل الشخصية المتطورة باستمرار، ويمكن الحديث عن عوامل مساعدة أخرى غير بشرية كالمدرسة وفضاء الحارة.
– تركز الوصف على ثلاثة أماكن: محيط الحارة، حجرة البطل، ومنزل أم حسني، وانحصرت الموصوفات في جملة من المشاهد البسيطة التي تختزن دلالات حميمية تعكس ارتباطات الشخصية الرئيسية بالمكان. وكانت الأوصاف في مجملها راصدة لمحدودية المكان وتواضعه وبساطة مؤثثاته (حجرة وحيدة، نافدة صغيرة، منحنى حاد، موقف للكارو، مسقى للحمير، باحة صغيرة قليل من يبرحها الا للقبر، صوت خشن حاد).
– تروى الأحداث بضمير الغائب، ويحاول السارد أن يوهمنا بكونه محايدا تفصله عن الأحداث مسافة ما، يصاحب الشخصية ويعرف عنها ما تعرفه عن نفسها، يتابعها عن كثب، ويعلق على أفعالها وأحاسيسها دون تدخل مباشر في صنع الحدث أوتوجيهه أوالتنبئ به.
– لغة النص مباشرة في الغالب، خاصة في المقاطع السردية والحوارية، تتخللها بعض اللمسات التصويرية الجميلة عندما يتعلق الأمر بوصف المكان أو الشخصية (صوت لم يخلخله الكبر، تسند به زوجها- الشعلة المقدسة التي تتقد في صدره – حارة لا تعرف الهمس والنجوى).
القراءة التركبية:
يدور النص حول شخصية تتأمل، ماضيها وتسترجع أحداثا قذفت بها خارج ما كان متوقعا، ووسمتها بالتميز، ويروي الأحداث سارد محايد نسبيا، يمتلك رؤية مصاحبة، ويركّب أجزاء الحدث على خط زمني متسلسل تتخلله وقفات استرجاعية ووصفية تكسرخطيته، ويبدو فضاء الحدث منفتحا وحميميا، ولغة النص متداولة بسيطة.

الأستاذ محمد  الدواس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *