تحليل النصوص: “الشعر الرومانسي” لعبد المحسن طه بدر

تحليل النصوص: “الشعر الرومانسي” لعبد المحسن طه بدر

السنة الثانية باك آداب وعلوم انسانية

إشكالية النصّ:
ظهرت حركةُ سُؤالِ الذّات مطْلعَ القرن العشرين كخصم عنيد لحركة البعث والإحياء، مستهدفة ردَّ الاعتبار لذات الشَّاعر التي همّشَها الإحيائيّون مرجعها في ذلك الشِّعر الغنائيِّ الغربي وموضوعاته المتعلقةٍ بالوجدان والتأمُّل في الحياة والارتهان إلى الخيال والهروب إلى الطبيعة والحلولِ فيها والتّفلسف في الوجود والبحث عن قيم مثالية مطلقة للجمال والنقاء والحب بحثا حالما خجولا. وانقسَم تيَّار سؤال الذّات إلى ثلاثِ جماعات مشهورة هي: جماعة الدِّيوان، والرَّابطة القلَميَّة، وجماعة أبُّولو. وقد رافقت ظهور هذا التيار وتطوُّرهُ دراساتٌ نقديّة موازية استفادت من النقدِ الغربيِّ ومناهجِه، وحاولت تقديم مفهومٍ جديدٍ للشّعر ولوظيفته مختلفا عن التصوُّر التقليدي، متكئا على طبيعة الشّعر الرومانسيّ وسماته الشَّكلية والمضمونيَّة. وقد اشتهر نقَّاد كثر عرضوا لتيار سؤال الذات كمحمد غنيمي هلال، وعبد القادر القط، وعبد المنعم خفاجي، وعبد المحسن طه بدر (1932ـ 1990) بمنهجه القائم على الرصد التاريخي والمنهج الاجتماعي، من مؤلفاته “دراساتٌ في تطور الأدب العربي الحديث” الذي منه هذا النص. فما القضية التي يطرحها؟ وما طرائِق عرْضها؟
فرضيات القراءة
بتأملنا عُنوان النَّصِّ “الشّعر الرّومانسيّ” نجده تركيبا اسميا من مبتدأ ونعتِه، فيما الخبر مدفون في النص. أما من حيث الدَّلالة فالشعر هو ذاك الجنسَ الأدبيَّ القائم على إيقاعٍ، الخاضع لبناء معيَّن، المستند على مقوّماتٍ جمالية خاصة، أما “الرُّومانسي” فهو تحديد لطبيعة هذا الشعر ونوعِه نسبةً إلى الرومانسية التي تتغنى بالذات وتهتم بالوجدان وتثور على التقليد والمعيارية، وتنشد الانطلاق والحرية. ومِن خلال العنوان وشكل النّصِّ، وبعض المشيرات النصية الدالة من قبيل (أن يخلّصوا ذات الشاعر، قوة إحساسه الذاتي، شعراءُ مدرسة الديوان، تبني التّراث الغربي…) نفترض أنّ النص النظري الذي بين أيدينا يتمحور حول نقد خطاب سؤال الذات، ورصد أهم إنجازاته وإخفاقاته. فما أبعاد هذا النقد؟ وما المفاهيم المؤطرة له؟ وما منهجية الكاتب في معالجة الموضوع؟
تحليل النص
قضايا النص وإشكالاته
طرحَ النص إشكالية رئيسية تمثّلت في مفهوم الشّعر عند الرومانسيّين المؤسس على وظيفة تنحصِر في التعبير عن الذّات، ورفض التقليد والمحاكاة، وبعد اختبار الكاتب إنجازات ممثلي حركة سؤال الذات انتهى النص إلى أنَّ ثورتهم نسبيَّة؛ فلا هم انفصلوا عن التُّراث العربي انفصالا تاما ولا هم نجحوا في تقليد التُّراث الغرْبيِّ ، والسّبب في ذلك اندفاعهم وحماستهم وضبابيّة الرُّؤية التي صدَروا عنها، وعجزهم عن التمثيل الصحيح لروح التيار الذي يبشرون به.
وللوقوف على تداعيات القضيّة الرئيسيّة وتقليبها على أوْجُهها المختلفةِ ، ناقش الناقد جملةً من القضايا المتفرّعة عنها وأهمُّها:
-قضيَّة التقليد بوجهيه: تقليد الرُّومانسيين للشعر الغربيّ، وتقليد الإحيائيين للنموذج القديم؛ مما يضعهم حسب المقياس النقدي للكاتب في سلة واحدة، وإن كان الإحيائيون نجحوا في مشروعهم بينما تخبط الرومانسيون العرب في محاولاتهم استنساخ الرومانسية الغربية.
-الثورة على القديم: وتمثّلت في رفض الرُّومانسيين للتراث الشِّعريِّ العربي في جانبه المضمونيّ ، وعدم تجرئهم على الجوانب الأخرى خاصة الموسيقى.
-خصائص الشِّعر الرّومانسيّ: حيث ناقش الكاتب بعض ملامح حركة سؤال الذات على مستوى التجديد في المضامين والموضوعات، ونوع من التركيز على المشاعر تركيزا طبع المعجم والصورة بفيوض عاطفية لم تتخلص من انعكاسات الإشراقات القديمة، وأوغلت في عوالم حالمة وخجولة انتهت إلى الهروب إلى عالم الغاب الطاهر الجميل الطوباوي، واللوذ بامرأة ملاك مثالية بدون ملامح واقعية، مما أفسد عمق التجربة التي شط فيها الخيال عن الواقع .

طرائق العرض
استعان الكاتب في مناقشة فِكرَتِه بمجموعة من طرائق العرض فاعتمد “المقارنَة” بين الرُّومانسيّة التي تولي اهتماما للذّات والإحيائية التي تخضع لقوّة خارجيّة ، ولعل الهدف من هذه المقارنة بيان الاختلاف بين المدرستين ، والتنصيص على تميّز المدرسة الرّومانسية على مستوى المفهوم والأدوات الإبداعية، واعتمد الاستشهاد (الاستشهاد من شعر علي محمود طه ومن رأي نقدي لميخائيل نعيمة) ، وهي طريقة مسعفة في تدعيم الفكرة وتقوية الوظيفة الإقناعيَّة.
ونهج الكاتبُ طريقةً أخرى تمثلت في افتراض فرضيات وإثبات صحَّتها ، فقد افترَض أنّ ثوْرة الرُّومانسيّين نسبيّة ، وأثبت ذلك بفشلهم في تقليد الشِّعر الغرْبيّ والتّجديد الكلّيّ في المضمون والشّكل، وإلى جانب ذلك توسل بمنطق التفسير والتمثيل والاستدلال فاسترسل في عمليات تحليلية تربط المحمولات المنطقية بعضها ببعض وتربط المبدأ النقدي بإجراءاته التطبيقية بشكل يقوي واقعية الاستدلال وموضوعيته. وقد طبّق هذا الأسلوبَ في عرضه لإنجازات وإخفاقات شعراءُ الرُّومانسيّة. واعتمد الأسلوب الاستنباطيّ، حيث أشار أولا إلى أهمِّ مدارس الرُّومانسية وشعرائها. وانتقل بعدها إلى إبراز الفرقِ بين الشِّعر الرُّومانسيِّ والشِّعر الإحيائيِّ، ثم عرج على خصائص المدرسة الرُّومانسيَّةِ، منتهيا إلى إِقرار نسبيّة ما حقَّقته حركة سؤال الذات من تجديد. وتكمُن أهمّية الأسلوب الاستنباطيّ في طرح الحكمِ ثمّ تفصيله، ثمّ بناء الاستنتاج بالتدرُّج الذي لا يعدو أن يكون تثبيتا للحكم المطروح، وهو منهج علمي يقود إلى الفهم والاقتناع لصرامته المنطقية.
تركيب وتقويم
رام الكاتب في نصه إبرازَ خصائص المدرسة الرُّومانسية التي كانت أولّ حركةٍ شعريَّة ثارت على النموذج الشعري العربي شكلا ومضمونا إلى حد ما، وقد استهدف مساءَلة حركة الرّومانسية ونَقْدها، ومن أجل ذلك وظَّف جملةً من طرائقِ العرض المختلفة، ولغة تقريرية مباشرة، ومعجما غنيا يتوزع على حقلي التقليد والتجديد، ومرجعيات يطبعها التعدّد، وأسلوبا استنباطيا، واستشهادات من المنثور والمنظوم، واستدلالات وتمثيلات ومقارنات. وقد نجح الكاتب في توصيف المدرسة الرّومانسية ومحاولتها التّجديديّة بين الطموح والمحدودية، وهو ما يقودنا إلى إثبات صحَّة الفرضية المطروحة آنفا والتي تربط النصّ بالدراسة الأدبيّة النقدية المتأثرة بالمنهج التاريخي الوصفي التسجيلي في مقاربة تيارات الشعر الحديث، والرومانسية بشكل خاص.

الأستاذ محمد الدواس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *