أوربا من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى أزمة 1929 -ن 2-

أوربا من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى أزمة 1929

الأولى باك للعلوم والتكنولوجيا والتعليم الأصيل

النموذج الثاني

مقدمة: أنهت الحرب العالمية الاولى أوزارها سنة 1918م. وانتهت بانهزام ألمانيا و حلفائها, وفرض معاهدة فرساي على الألمان .

فما هي النتائج الكبرى للحرب العالمية الاولى ؟ وكيف انعكست آثار الحرب على التطورات السياسية الدولية آنذاك ؟

I -النتائج العامة للحرب العالمية الأولى:
1- الخسائر البشرية والاقتصادية:

– خلفت الحرب العالمية الاولى عددا كبيرا من القتلى والجرحى والمعطوبين نتيجة للعمليات العسكرية أو من جراء المجاعات والأوبئة. مما أحدث تغيرات عميقة في البنية الديمغرافية للساكنة الأوربية، تجلت في ارتفاع نسبة الإناث والشيوخ وانخفاض نسبة السكان النشيطين. كما أحدثت الحرب تحولات مهمة في المجتمع الأوربي حيث ازداد دور المرأة الاقتصادي والاجتماعي، فعوضت الرجال في أعمال كثيرة كانت حكرا عليهم.

– انهار الاقتصاد الأوربي بعد الحرب، حيث أتلفت ملايين الهكتارات من الأراضي الفلاحية، وخربت المنشآت الصناعية وطرق المواصلات، فاضطرت الدول الأوربية إلى الاستدانة من الدول الأخرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فتحولت بذلك من دول دائنة قبل الحرب إلى دول مدينة بعدها. وبذلك انتقل الثقل الاقتصادي إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

2- النتائج السياسية:

– وقعت على إثر الحرب العالمية الأولى مجموعة من المعاهدات من أهمها:
 * معاهدة فرساي: 28 يونيو 1919 اعتبرت ألمانيا مسؤولة عن الحرب، كما تم اقتطاع منطقتي الالزاس واللورين لفائدة فرنسا، وفرض على ألمانيا إلغاء الخدمة العسكرية، وتقليص عدد جنودها وتجريد منطقة الراين من السلاح، ووضع منطقة السار تحت مراقبة عصبة الأمم، وإرغامها على دفع تعويض قيمته 132 مليار مارك.
 * معاهدة سان جرمان: شتنبر 1919: تم من خلالها فصل النمسا عن هنغاريا والاعتراف باستقلال القوميات.
* معاهدة نويي 27 نونبر 1919: فرضت على بلغاريا، واقتطعت بموجبها أجزاء من أراضيها لصالح اليونان ويوغسلافيا ورومانيا .
* معاهدة تريانون مع هنغاريا يونيو 1920: اقتطعت أراضي منها لصالح الدول المجاورة مع تحديد قواتها العسكرية.
* معاهدة سيفر مع الدولة العثمانية غشت 1920: فرض عليها التنازل عن ممتلكاتها لصالح فرنسا وانجلترا، ولم تعدلها في أوربا سوى القسطنطنية، ووضع كل من مضيقي البوسفور والدردنيل تحت الرقابة الدولية.

– بهذا أحدثت المعاهدات تحولات على الخريطة السياسية الأوربية بظهور دول جديدة، بولونيا وتشيكوسلوفاكيا وفنلندة ولتوانيا…
– كما تأسست عصبة الأمم انطلاقا من مبادئ ولسن في أبريل 1919م، واستهدفت المحافظة على السلم، وتوفير ضمانات متبادلة ومتساوية بين الدول.

II – تطور الأوضاع الداخلية لأوربا إلى غاية 1925م:
1- ظهور االنظام الاشتراكي في روسيا وتطوره:
– عرفت روسيا أوضاعا اجتماعية واقتصادية متدهورة، زادت تفاقما مع الحرب العالمية الأولى والهزائم التي ألحقت بالجيش الروسي، مما أدى إلى ظهور معارضة قوية ومنظمة. تمثلت في الحزب البولشيفي الذي أسسه لينين سنة 1903م.
– في 15 مارس 1917، تنازل نيقولا الثاني عن العرش تحت ضغط الإضرابات والانتفاضات. وتألفت حكومة مؤقتة ذات نهج ليبرالي، وحاولت متابعة الحرب إلى جانب الحلفاء لكنها لقيت معارضة العمال والجنود.- في 23 أكتوبر 1917، قام البلاشفة بزعامة لينين بثورة عنيفة، أسقطت الحكومة في 7 نونبر، وتقلدوا زمام الأمور.

– ما إن استولى البلاشفة على السلطة، حتى أصدروا مجموعة من المراسيم من أهمها:
• مرسوم حول السلم: ناشد من خلاله لينين كافة الشعوب و الدول المتحاربة لإنهاء الحرب وإقرار سلم عادل وديمقراطي.
• مرسوم حول الأراضي: ألغيت  بموجبه الملكية الخاصة، ووضعت الأراضي رهن إشارة اللجان الزراعية التابعة للسوفييتات.

– لكن الثورة لقيت معارضة داخلية تجسدت في الحرب الأهلية، وكانت مدعومة من طرف فرنسا وانجلترا واليابان… إلا أن الجيش الأحمر قضى عليها.

2- وضعية فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى:
– عرفت فرنسا ما بين 1919 – 1929م ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية والمصنعة. مما ساهم في حدوث اضطرابات مالية من أهمها: التضخم. كما شهدت الساحة السياسية في نونبر 1921 فوز مرشحي الكتلة الوطنية بالانتخابات التشريعية، واستهدف برنامجهم تحقيق المصالحة الوطنية، والصرامة إزاء ألمانيا، والتخوف من ثورة مشابهة لما حدث في روسيا. لكن أهم المشاكل التي واجهت هذه الحكومة هي تعدد الإضرابات.

– بهذا كان للأوضاع الاقتصادية بفرنسا دور كبير في تفشي البطالة وانتشار البؤس في أوساط الطبقة العاملة وانهيار مداخيل الفلاحين… وبالتالي تصاعد حدة الصراعات الاجتماعية.

3- تطور الأوضاع الداخلية في ألمانيا:
– فرض الحلفاء على ألمانيا حكومة فيمار سنة 1919 كمحاولة لإقرار الديمقراطية، لكن هذه الحكومة اعترضتها عدة صعوبات، كالتضخم والفقر والبطالة وانتفاضات العمال في المدن الصناعية، بالإضافة إلى ذلك، تذمر الفئات الاجتماعية من تقبل النظام الجمهوري لشروط معاهدة فرساي، وتجسدت أهم ردود الفعل في ثورة السبارطاكيين.

– استغل هتلر الأوضاع المتأزمة ليؤسس الحزب النازي سنة 1920، وفي جو تفاقمت فيه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تمكن التحالف البورجوازي النازي من إقناع رئيس الجمهورية هندنبورغ بتعيين هتلر مستشارا للرايخ الألماني في أكتوبر 1930، وفي غشت 1934 وعلى إثر وفاة هندنبورغ جمع هتلر بين منصبي المستشار و رئيسا الجمهورية. كما اتخذ عدة إجراءات ترسخ نظاما ديكتاتوريا داخل ألمانيا.

4 – بدايات النظام الفاشي بإيطاليا:
– كانت الصناعة عاجزة عن سد حاجات إيطاليا خلال الحرب، مما دفعها إلى الاستيراد، وترتب عن ذلك عجز في الميزان التجاري وارتفاع الدين الخارجي، بالإضافة إلى ذلك انخفضت قيمة العملة وكذلك الأجور، وبالتالي انخفاض القدرة الشرائية. وترتب عن هذه الأوضاع موجة من الإضرابات العمالية وتمردات الفلاحين التي استهدفت احتلال المصانع والسيطرة على أراضي كبار الملاكين.
– استفاد موسوليني من تردي الأوضاع الداخلية لتأسيس الحزب الوطني الفاشي الذي استعمل أسلوب العنف للظهور بمظهر الحزب الوحيد القادر على فرض النظام بإيطاليا. وعلى إثر تهديد موسوليني في أكتوبر 1922 بالزحف على روما بأزيد من 40 ألفا فاشيستي، عينه الملك فيكتور إيمانويلIII على رأس الحكومة الإيطالية، وتمكن في أقل من أربع سنوات من جمع كل السلط بين يديه ممهدا لنظام ديكتاتوري.

III – الأوضاع العامة والعلاقات الدولية لأوربا بعد معاهدة لوكارنو:
1- أهمية معاهدة لوكارنو في تحول العلاقات الدولية:
– تميزت مرحلة 1918 – 1925م بتوتر العلاقات بين فرنسا وألمانيا مما كان يستدعي عقد ميثاق سلام يضمن حدود كل من الدولتين.

– في المقابل اتسمت مرحلة 1925 – 1929 بعقد معاهدة لوكارنو 1925م بهدف استتباب سلام أوروبا والحفاظ على استقرارها هكذا شكلت تلك المعاهدة تحولا نوعيا في العلاقات الدولية لأوربا، والأساس المتين للسلم الأوربي.

2- أزمة 1929 وانعكاساتها على أوربا:
– انطلقت الأزمة من بورصة وول ستريت في نيويورك بارتفاع مفاجئ لأسعار الأسهم، على إثر شعور المساهمين بالارتفاع المفتعل لقيمتها، فسارع المساهمون يوم الخميس الأسود 24 أكتوبر 1929م إلى عرض ما يقارب 13 مليون سهم في سوق البورصة، لكن ارتفاع عرض الأسهم، أنزل قيمتها، مما أدى إلى إفلاس المساهمين والأبناك ثم انهيار الأنشطة الاقتصادية.

– انتقلت الأزمة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أوربا والعالم، وذلك راجع للروابط المالية والتجارية بين هذه المناطق، بهذا تسربت الأزمة إلى الدول الصناعية بعد استرداد مؤسسات القرض الأمريكية لقروضها، وسحب رساميلها من أوربا، ففي سنة 1931 تضررت النمسا وألمانيا بفعل ارتباط اقتصادهما بالقروض الأمريكية، كما تأثر الاقتصاد الإنجليزي من تدهور المبادلات التجارية الدولية. وفي سنة 1932 ظهرت الأزمة بشكل متأخر في فرنسا لقلة اعتمادها على القروض الأجنبية، وكذا ضعف نسبي لمبادلاتها الخارجية. وقد انعكست آثار الأزمة على مختلف الفئات الاجتماعية: رجال الأعمال وأرباب المصانع والعمال… فارتفع عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا وفرنسا وانجلترا وتصاعدت الإضرابات العمالية، مما دفع بحكومات الدول الرأسمالية إلى التدخل في الاقتصاد بهدف الخروج من الأزمة.

خاتمة:
ساهمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها أوربا بعد الحرب العالمية الأولى في تزايد المد الديكتاتوري، مما إلى أدى من جديد إلى توتر العلاقات الدولية وبالتالي اندلاع الحرب العالمية الثانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.