اللص والكلاب : نماذج محللة

نماذج محللة من رواية اللص و الكلاب.

النموذج الأول
جاء في رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ:
“…وتساءل بصوتٍ مسموع كئيب:
-نور، أين أنت؟
محال أن تكون بخير. هل قبض البوليس عليها؟ هل اعتدى عليها بعض الأوغاد؟ هي ليست على ايّ حال بخير. هو يؤمن بذلك بقلبه وغريزته. لن يرى نور مرّة أخرى. وخنقه اليأس خنقا. ودهمه حزن شديد الضراوة، لا لأنّه سيفقد عمّا قريب مخبأه الآمن، ولكن لأنه فقد قلبا وعطفا وأنسا…”
نجيب محفوظ: اللص والكلاب، دار الروق، القاهرة، طبعة 2006ن الصفحة 112.
انطلاقا من هذا المقطع، واستنادا إلى ما اكتسبته من قراءتك الرواية، أنجز ما يلي:
-تحديد موقع المقطع داخل مسار أحداث الرواية؛
-إبراز دور ‘نور’ باعتبارها قوة فاعلة في نسج احداث ارواية وتطوّرها.
التحليــــــــل:
تشكّل رواية “اللص والكلاب” نقلة نوعية في تاريخ الرواية العربية، حيث راهن صاحبها على التجديد الجماليّ في طريقة التعبير تفاديا للمصادرة والمنع، واستطاع بحرفيته الفنية انتقاد الواقع المصريّ الذي لم يتغيّر بالرغم من الثورة التي خيّبت آمال الجماهير.
فما سياق القولة من الرواية؟ وما الدّور الذي اضطلعت به نور في تطوير الأحداث ونمائها؟
ورد المقطع قيد الدراسة في سياق اختفاء نور وعدم عودتها إلى المنزل، وذلك قبل إلقاء القبض على البطل واستسلامه للبوليس في لا مبالاة، ويتحدّث المقطع عن ردّة فعل البطل سعيد مهران تُجاه اختفاء نور المفاجئ الذي لم يكن في حسبانه، نور التي طالما قدّمت له الدّعم الماديّ والنفسي ليحقق حلمه في الانتقام من الخونة.
وتعدّ نور من الشخصيات الرّئيسية في الرواية، إذ كانت تحبّ سعيداً قبل أن يدخل السجن، وبقي حبها له مستمراّ بعد خروجه، وإثباتا لذلك بذلت كلّ ما في وسعها لتقدّم للبطل ما يحتاجه من دعم لينتقم من الأوغاد، وعليه ساعدته أولا في التغرير بابن صاحب مصنع الحلوى، حيث استدرجته ليتمكّن سعيد مهران من أخذ ما عنده من ماله واستعمال سيّارته في مخطّطه الانتقاميّ، وزيادة على ذلك هيّأت له المسكن الآمن، ووفرّت له المأكل والملبس، وكانت في كلّ مرة تجلب له الجرائد ليعرف آخر التطوّرات، وتأتيه بالأخبار ، إضافة إلى توفيرها له بذلة البوليس، وساعده كلّ هذا في دراسة تحرّكاته ومعرفة كلّ ما يُحاك ضدّه من مؤامرات، وهكذا كان ما فعلته مساعدا لسعيد مهران على تحقيق انتقامه والسير بأحداث الرواية نحو النهاية.
وعلى الرّغم من الدّعم الكبير الذي وفّرته نور لسعيد مهران، فإنّه لم يستطع أن ينتم من أعدائه الخونة، لأنّه ببساطة كان متسرّعا في تنفيذ خططه، واعتمد الحلّ الفرديّ، وهو ما لم يساعده في إطفاء نار الغضب المتّقدة في دواخله.
سعيد بكور

النموذج الثاني:
ورد في رواية اللص والكلاب قول نجيب محفوظ:
“… وأغمض عينيه مستسلما للهواء النقي، وإذا بيد توضع على كتفه، فالتفت وراءه فرأىالمعلم طرزان مادا يده الأخرى بالمسدس وهو يقول:
– نار على عدوك بإذن الله.
فتناوله ومضى يتفحصه ويختبره، ثم سأله:
– بكم يا معلم ؟
– هدية
– كلا، كل ما أرجوه أن تمهلني إلى ميسرة..” ص: 46/47.
انطلق من هذا المقطع، ومن قراءتك الرواية، ثم أنجز ما يأتي:
– ربط المقطع بالسياق العام لأحداث الرواية،
– إبراز دور (المعلم طرزان) باعتباره قوة فاعلة في نمو أحداث الرواية وتطورها.
التحليــــــــــــل
جرى الحوار أعلاه بين سعيد مهران والمعلم طرزان بعد خروج البطل من السجن، وسعيه إلى الانتقام من الخونة، الذين كانوا سببا في دخوله السجن. والمعلم طرزان من القوى الفاعلة التي ظلت وفية لسعيد مهران ولم تغير مبادئها. كيف أسهمت هذه القوة إذن في تطور أحداث الرواية ونموها ؟
إن الدارس لرواية اللص والكلاب يجد أنها ترصد واقع المجتمع المصري بعد الثورة، من خلال شخصية بطلة اسمها سعيد مهران، تتعرض للظلم والخيانة وتحاول الانتقام واسترجاع كرامتها، لأجل ذلك كان لزاما عليها ربط علاقات مع مجموعة من القوى الأخرى، كالمعلم طرزان صاحب المقهى، والصديق الوفي الذي حاول مساندة الشخصية البطلة معنويا، بالنصائح والإرشادات، وماديا، إذ زودها بالمسدس (هدية)، الذي يعتبر حدثا طارئا في الرواية غير مجرى الأحداث، وأسهم في تطورها بشكل لافت، بالإضافة إلى كون المقهى صلة البطل بالعالم الخارجي، بعد ارتكابه لجرائم القتل، منها يتعرف على آخر الأخبار، ونقطة التقاء سعيد بصديقته القديمة نور، التي ستدخل على الخط وتزيد الأحداث تشويقا وإثارة..
إن المعلم طرزان بمساعدته للبطل سعيد جسد قيمة التضامن والمساعدة التي تسود بين أفراد الطبقة الفقيرة والمقهورة عندما تتعرض للظلم، إلا أنه على الرغم من تلك المساعدات لم يتمكن سعيد من الانتقام لتهوره وتركيزه على الحلول الفردية.

النموذج الثالث

جاء في حوار بين نور وسعيد مهران في رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ ما يلي:

(- أما أنت فلا قلب لك..

– حجزوه في السجن كما تقتضي التعليمات..

– أنت دخلت السجن بلا قلب..

– لمَ الإلحاح على حديث القلوب. اِسألي الخائنة واسألي الكلاب، واسألي البنت التي أنكرتني).

اللص والكلاب. مكتبة – القاهرة. ص: 57.

انطلق من هذا الحوار، واكتُب موضوعاً متكاملاً، تنجز فيه ما يلي:

  • – إبراز تجليّات موضوعتي الحب والكراهية في الرواية.
  • – تحديد نوعية العلاقة التي جمعت بين سعيد مهران والمرأة.

التحليل

يكشفُ لنا هذا المقطع الحواري عن امتلاء نفسية البطل (سعيد مهران) بالكراهية تجاه الآخرين، وذلك بفعل الظلم الذي تعرّض له، وسنوات السجن التي قضاها بفعل خيانة مقرّبيه. وقد ورد هذا الحوار في الفصل السادس من الرواية، وتحديداً في تلك اللحظة التي التقى فيها نور، واحتالا على ابن صاحب مصنع الحلوى بسرقة نقوده وسيارته، قصد استعمال هذه الأخيرة في تنفيذ الجريمة التي كان سعيد مهران ينوي ارتكابها (الانتقام من عليش ونبوية). لكن هل يمكن القول، من خلال الحوار السابق، بأنّ الكراهية وحدها هي التي كانت تسيطر على نفسية سعيد مهران؟ ألم يكن للحب مكان في قلبه؟ وإذا كان يكره زوجته السابقة نبوية لأنها خانته، فهل يكره أيضاً ابنته سناء التي أنكرته كما جاء في الحوار، ونور المرأة التي ساعدته بعد خروجه من السجن؟

لقد شكلت الكراهية تيمة (موضوعة) أساسية في الرواية، وهي ناجمة عن الحقد الذي تولد في نفسية البطل بعد دخوله السجن بفعل تآمر كل من زوجته نبوية، وتابعه عليش، الذي وشى به عند البوليس. ومن هنا فهو يكره المرأة في شخص زوجته الخائنة، التي بات متشوقاً للانتقام منها. يقول سعيد مهران في لحظة من لحظات غضبه: (لم تعد لي ثقة في جنسها كلّه…). كما أنه يكره عليش وعلوان، ويضع نصب عينيه لحظة الانتقام منهما، فعليش كان خادمه المطيع، يقتات من فتاته، أما رؤوف علوان فهو أستاذه الذي علمه القيم والمبادئ، وها هو الآن يغيّر جلده ويتحالف مع الأعداء ضده، ويتنكر لكل المبادئ والقيم التي علمها إياه، وها هو يكتب في الصحافة عن الموضة وعن أشياء تافهة، ولا يهتم بالمشاكل التي يتخبّط فيها المجتمع. لقد أصبح كلّ هؤلاء الأعداء يرتدون زيّاً واحدا منسوجاً بالغدر والخيانة والانتهازية. ومن هنا كان همّ مهران وهاجسه الأكبر، هو الانتقام من هؤلاء الأعداء جميعاً.

على أنّ هذه الكراهية يجب أن لا تحجب عنّا الجانب المضيء في نفسية سعيد مهران، فهو ليس بلا قلب كما قالت نور، بل في قلبه متّسع للحب، وقد كان قبل السجن والخيانة يحب هؤلاء الأعداء بدون حساب، وهو بعد خروجه من السجن ما زال يحبّ، فهو يحبّ الشيخ الجنيدي والمعلم طرزان اللذين سانداه بعد خروجه من السجن. كما أنّ علاقته بالمرأة لم تكن مبنيّة على الكراهية وحدها، فهو يعبّر في غير ما مرّة عن حبّه لابنته سناء، الأمل الوحيد الذي يضيء ظلام حياته، على الرغم من إنكارها له كما جاء في الحوار. وهو يحبّ بعمق صديقته نور، بل إنه سيستحضرها في أحلك الفترات التي ستمرّ به، لحظة وشوك وقوعه في يد البوليس.

وبهذا نكتشف أنّ علاقة سعيد مهران بالمرأة كانت متأرجحة بين الحب والكراهية، كراهية المرأة الخائنة، والرغبة في الانتقام منها، وحب المرأة الضعيفة المخلصة حبا متغلغلاً في القلب، إلى درجة استحضار صورتها في أحلك اللحظات.

والخلاصة هيّ أنّ شخصية سعيد مهران لا تحمل في حقيقتها صفات سلبية، فعلى الرغم من ممارسته للصوصية، فإنّ هذه الممارسة كانت شريفة في عمقها ما دام الهدف منها هو تحقيق العدالة الاجتماعية (سرقة الأغنياء قصد إعانة الضعفاء)، وليست الكراهية إلا امتداداً لثورة سعيد مهران على الظلم والتسلط، أما الحبّ فهو جوهر نفسيته، وهو يكنّه لكلّ هؤلاء الفقراء والمظلومين، ومنهم نور والجنيدي وطرزان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.