تحليل النصوص: كفالة الشعب لعبد الواحد أخريف للأولى باك علوم

تحليل النصوص: كفالة الشعب لعبد الواحد أخريف للأولى باك علوم

مفهوم القيم :
اﻟﻘﯾم ﻋﺑﺎرة ﻋن أﺣﻛﺎم ﻋﻘﻠﯾﺔ اﻧﻔﻌﺎﻟﯾﺔ ﺗوﺟﮭﻧﺎ ﻧﺣو رﻏﺑﺎﺗﻧﺎ واﺗﺟﺎھﺎﺗﻧﺎ ، ﯾﻛﺗﺳﺑﮭﺎ وﯾﺗﻌﻠﻣﮭﺎ وﯾﺗﺷرﺑﮭﺎ اﻟﻔرد ﻣن اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ وﺗﺻﺑﺢ ﻣﺣركا ﻟﺳﻠوﻛﮫ وموجها لعلاقاته بما يحيط به بما يكسب الحياة معنى إنسانيا ساميا، والمجتمع تماسكا وتنظيما.
ومنظومة القيم أو الأخلاق منظومة واسعة اهتمت بها كل الأديان والحقول المعرفية والحركات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية باعتبارها محددا لسلوك الإنسان كفرد وكجزء من مجموعة تتسع لتشمل المجموعة البشرية وما يحيط بها من عوامل أخرى .
للقيمة تمظهران : تمظهر فردي يتمثل في حاجة الإنسان إلى نظام من القيم يوجه سلوكه وطاقاته و دوافع نشاطه ، وتمظهر جماعي يتجلى في أنساق القيم التي تشكل القوانين والأهداف والمثل التي تضبط عمل التنظيمات الاجتماعية الكبرى، و بين التمظهرين تداخل وتفاعل يحدد السمات الثقافية والأنطولوجية للمجتمع.
مفهوم التضامن :
التضامن قيمة من أكثر القيم الإنساية التي تربط الإنسان بالمجموعة بشكل يمكن من مواجهة مشاكل لا يقوى مفردا على مواجهتها. ويستخدم مفهوم التضامن في الإطار القانوني تعبيرا عن المسؤولية الجماعية، و في المجال العسكري شعارا للاتحاد بين الجماعة والفرد ، كما يثار عند الكوارث والأزمات المشتركة .
التضامن إذن خاصية من خصائص الإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا، وسلوك ناجم عن وعيه بالمصلحة المشتركة من جهة ، وإحساسه بإنسانيته من جهة أخرى. غير أن مفهوم التضامن قد يصبح ملتبسا وخارج جوهره القيمي حين يتخذ شكل تبادل المصلحة، أو شكل تضامن مفروض مقابل امتياز أو خوف عقاب.
يمكن للتضامن أن يكون فرديا كما هو الشأن في المجتمعات الحديثة ذات النزوع الفردي، و غالبا ما يكون جماعيا يفرضه الانتماء إلى تكتل قبلي أو سياسي أو نقابي أو جمعوي أو إلى منظمات عالمية كمجموعة السلام الأخضر أو أطباء بلا حدود…، ويمكن التمتيل لقيمة التضامن بالمساعدات الإنسانية المستعجلة أو الدائمة المقدمة إلى الدول المنكوبة.
سياق النص :
يندرج النص في سياق رصد أشكال التضامن والتطوع والتضحية والإسهام في تخفيف معاناة الآخرين، سيما وأن المسألة تتعلق في النص ببعد وطني، جوهره التضامن مع أسر شهداء الوحدة الترابية ممن قضوا في مواجهة الاستعمار الإسباني قبل حدث المسيرة، أو مخلفاته بعدها مع من عاكسوا حق المغرب في استكمال وحدته، وناوشوا بكل الوسائل القذرة بما في ذلك دعم حرب العصابات التي جند لها المرتزقة الأفاقون. هكذا يكون الشعب المغربي تبعل لمنطوق الملفوظ الأول والأخير في النص مدعوا إلى تجسيد قيمه ا الأصيلة المتجذرة في تاريخه والممتدة إلى اللحظة الراهنة، وتمثلها قيمة التضامن بما فيها من تضحية وإيثار وكرم مغربي.
ملاحظة النص
النص لعبد الواحد أخريف ، شاعر مغربي معاصر من مواليد تطوان سنة 1933، مقتطف من نص شعري طويل بعنوان ” كفالة الشعب” ، منشور بمجلة المناهل ، العدد 18، سنة 1980، منظوم بمناسبة حملة لجمع التبرعات لفائدة أبناء شهداء الوحدة الترابية، وبالنظر إلى العنوان يتضح أنه جملة اسمية مبتدؤها محذوف، ومركب إضافي يحيل فيه المضاف إليه على قيمة التضامن ، ويحيل المضاف على الطرف المتضامن ، بينما تغيب عن العنولن الإشارة إلى المتضامن معه، وهو ما نفترض وجوده في النص، وإذا ما أعدنا التأمل في لفظتي العنوان وجدنا أن الإحالة إلى التضامن بلفظ الكفالة تحمل إيحاء دينيا ، وكون المتضامن شعب يحمل إيحاءا وطنيا، مما يجعل قيمة التضامن في العنوان مؤسسة على بعدين نحاطين بهالة من التقديس والوجوب ومستندة على عاطفتين نبيلتين دينية ووطنية، يصبح معها المتضامن معه يتيما يتوجب من الناحية الدينية رعايته وحضنه، كما يكون ابنا لشهيد الوطن مطلوب صون ما قدم أبوه من تضحيات.
فهم النص :
يتمحور النص حول مضمون عام هو تغني الشاعر بشيم الشعب المغربي المتمثلة في تضامنه وتكفله باليتامى من أبناء شهداء الوحدة الترابية.
ويمكن تفكيك هذا المضمون إلى مضامين رئيسية ثلاثةهي:
– وصف الشعب المغربي بالنبل والإحسان والكرم والإرادة القوية والعزيمة الجبارة.
– استجابة الشعب المغربي لنداء الوطن في المسيرة الخضراء وتحديه خصوم وحدته الترابية دليل على تضامنه ووحدته وتماسكه.
– دعوة الشاعر الشعب المغربي إلى التكفل بأبناء الشهداء صيانة لكرامتهم واعترافا بتضحيات آبائهم ؛ لأن عزته في تضامنه.
تحليل النص :
– يتشكل معجم النص من حقلين دلاليين متداخلي ومترابطين، ويمكن بيان انتشارهما على جسد النص من خلال المواد المعجمية المثبتة في الجدول الآتي:
حقل الوطن
النبل ـ الإحسان ـ الكرم ـ العلا ـ ينتظم ـ جود ـ قدموا أرواحهم ـ كرما ـ تضامن الشعب ـ الفداء
حقل التضامن
شعب ـ مجد ـ همم ـ وفود النصر ـ آمال ـ المسيرة ـ التحرير ـ الصف ـ العاهل ـ التاريخ ـ الزحف ـ المغرب الأقصى ـ صحرائنا ـ وحدتنا ـ الوحدة الكبرى ـ العلم ـ الحق والعدل ـ الأرض ـ الشهداء

والملاحظ أن معجم الوطن أكثر انتشارا في النص باعتبار محموله حافزا ومحركا لفعل التضامن، رغم أن التضامن هو الآخر يصنع مفهوم الوطن بل يتجاوزه إلى صناعة مفهوم الإنسان، ولعل الشاعر يعزف على وتر الوطنية لتحريك أريحية شعب مجبول على خلق التضامن، فأحرى إذا كان المتضامن معه يتامى شهداء الوطن.
– على مستوى الصورة الشعرية اجتهد الشاعر في بناء صور طريفة ذات بعد جمالي مؤثر رغم ارتكازها على الآليات التصويرية البيانية التقليدية من كناية واستعارة ومجاز مرسل. هكذا يصبح المجد عاشقا للشعب ، والنصر وفودا تزدحم ببابه، والآما أما تهدهد طفلا هو الشعب، والنبل والإحسان والكرم لحنا يهزه ويستفزه، والشعب كله صفا واحدا، ورجالا بقلب واحد، والحدث يسأل ، والتاريخ يشهد، والجنة تتأثر بتضحيات الشهداء فتتململ إجلالا لهم، واليتامى زهرات وودائع، والنعم تتبختر وتسكت وترضى . وهي صور فيها غير قليل من النفس الكلاسيكس المشبع بالمبالغة، لكنها تبدو باهتة باردة رغم محاولات الشاعر صقلها وتلميعها وشحنها بأجواء الانفعال بالقيم الإنسانية النبيلة، ولعل مرد ذلك سطحية التجربة وخمود الانفعال بالقضية المختزل في وظيفة التحريض على الاستجابة للمناسبة.
– على مستوى الإيقاع ينتظم النص في بحر البسيط بعروض مخبونة وضرب مثلها وقافية مطلقة متراكبة رويها الميم، ويحفل بالتصريع والتكرار والتوازي والتجنيس والترادف وحروف المد اللينة ليخلق إيقاعا رنان ونغمة تعكس أجواء الحنان والتضامن والتمجيد والترغيب والنداء.
– أسلوب النص متنوع بين الخبر والإنشاء وأنواعهما وأضربهما الحرفية الصريحة أو المستلزمة الخارجة عن محتوياتها القضوية المباشرة (المعاني البلاغية) ، وهو تلوين يروم محاصرة المتلقي من كل جهة نفسية ممكنة ومحتملة لحمله على التأثر بنداء التضامن والاستجابة له، كما يروم تفجير حزمة المشاعر المضطرمة في ذات الشاعر ، المعبرة عن نمط من التفاعل مع هذه القضية الوطنية والإنسانية ، وثمة خاصية أسلوبية أخرى تبرز في النص ، وتتمثل في اطراد توظيف الصفة والحال مفردات وجملا ( هامت به الهمم ـ تزدحم ـ تهدهده ـ يهزه النبل ـ كانت لهم أملا ـ مبتهجا ـ زهرات ـ الكبرى …) ، وهو توظيف يستهدف توصيل العوالم المادية والمعنوية ذات الجوهر القيمي المحيط بقيمة التضامن باعتبار هذه العوالم رسائل ومرسلين ومرسل إليهم.
تركيب وتقويم
يتمحور النص حول مفهوم التضامن باعتباره قيمة إنسانية نبيلة، وشعور وواجب إنساني لا يمكن أن يؤمن به ويتصف بميزاته إلا من كانت له شخصية ذات عمق إنساني عريض وحسّ اجتماعي مرهف وعلاقات وسلوكات إيجابية تؤمن بنشر الحب والترابط والتماسك بين الأفراد والمجموعات، وهو سمة حضارية لكل الشعوب المتمدنة التي يحمي فيها القوي الضعيف، والغني يعيل الفقير. وضمن هذا المبدأ دعا الكاتب الشعب المغربي المعروف لدى القاصي والداني بسلوكه التضامني ومآثره المجيدة إلى التكفل بيتامى من ضحوا بأنفسهم لحماية وحدة المغرب من طنجة إلى الكويرة . وقد وظف الشاعر في تبليغ رسالته مجموعة من الصور البلاغية والأساليب اللغوية والتموجات النغمية في قصيدة ذات قالب عمودي وخصائص أقرب ما تكون إلى المحافظة ليحدث أثرا بليغا في المتلقي يدفعه إلى مشاركة الشاعر إحساسه ومقاصده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على فيسبوك close[x]