ملف: العولمة والهوية الثقافية – ن 1 –

ملف: العولمة والهوية الثقافية
الثانية باك آداب وعلوم انسانية ولغة عربية تعليم أصيل
النموذج الأول

مفهوم العولمة:
سكبت ظاهرة العولمة الكثير من الحبر في الكتابات العربية المعاصرة, وأوسعها المفكرون العرب دراسة وشرحاً ونقداً. والعولمة مصطلح جديد في اللغة العربية, جاء ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Globalization). وعلى الرغم من أن كتاباً مثل صبري عبد الله وخالد الحروب استخدموا ألفاظاً من مثل “كوكبة” و”تعولم”، فإن لفظ عولمة أصبح الأكثر انتشاراً وشيوعاً. واستعمال صبري عبد الله مرتبط بفهمه للمسألة من حيث اشتراط مشاركة سكان المعمورة كافة في هذه الظاهرة.

ويقول الحروب: “إن التعولم تعبير عن عملية ليست جديدة, بل قديمة جداً ومستمرة إلى ما لا نهاية”. فالعولمة عبارة عن نظام عالمي, يقوم على تحرير الأسواق و”الفضاءات الاقتصادية والتبادلات التجارية والمالية والخدمية … وعلى الاختراق المتواتر للخصوصيات والحدود الثقافية والقيمية والجغرافية والسياسية”. فهي تعني: تعميم الشيء ليشمل الكل, ومفهومها لا ينفصم عن التطور العام للنظام الرأسمالي, وتعد حلقة من حلقات تطوره التي بدأت مع ظهور الدول القومية في القرن الثامن عشر.
والخلاصة أن العولمة بمفهومها الأوسع هي “ظاهرة أو حركة معقدة ذات ابعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية وحضارية وثقافية وتكنولوجية، أنتجتها وساهمت في سرعة بروزها التغيرات العالمية”،4 التي حدثت في العصر الحالي, وكان لها تأثير عظيم على حياة الأفرد والمجتمعات والدول.

اشكالها(العولمة):
أدى انهيار الكتلة الشرقية، وانتهاء الحرب الباردة إلى تغير ميزان القوى في العالم. وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، ما جعل من العولمة ظاهرة عالمية مرتبطة بالسياسات الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، إذ لا يمكن فصل ظاهرة العولمة وأشكالها عن مجريات السياسة الأمريكية.

وأشكال العولمة هي: العولمة الاقتصادية؛ وتعني: إن الاقتصاد المعولم يقع خارج نطاق سيطرة الدولة القومية، عبر تسهيل تدفق رأس المال، ورفع الحدود أمامه. وتعتبر الشركات المتعددة الجنسيات الذراع الطويلة لرأس المال العالمي. ومن أهم مؤسساته المالية البنك الدولي، وصندوق النقد اللذان يسيطران فعلياً على الكثير من دول العالم الثالث.

والعولمة السياسة، وتعني: بث المفاهيم الغربية ونشرها؛ مثل الديمقراطية، والتعددية السياسية، وانتشار المنظمات غير الحكومية -الأهلية، وقيام الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة بحماية حقوق الإنسان وصيانتها، وحماية الأقليات كما يحدث الآن في دارفور. وأيضاً العولمة الثقافية ؛ أي: سيطرة القيم والمبادئ الغربية -الأمريكية- على العالم، وتم ذلك من خلال التقدم الهائل في أجهزة الاتصال والإعلام.

أثر العولمة على الثقافة العربية (العولمة الثقافية) :
إن الثقافة هي “مجموع جوانب الفضاء التواصلي البشري؛ أي إدراك البشر لواقعهم والدلالة التي يسندونها له … بالإضافة إلى أنماط العلاقات التي يقيمونها في ما بينهم. فيدخل في هذا التحديد كل ما يمس الجوانب العقائدية والمعرفية والسلوكية، دون تميز أو حصر”.
ولذلك، تعتبر فكرة الثقافة إحدى الركائز الرئيسية لظاهرة العولمة بمعناها الشمولي، إذ تعمل على خلق مكون ثقافي عالمي، وفرضه كنموذج ثقافي، وتعميم معاييره، وقيمه على العالم أجمع. وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية، أصبحت تقود العالم منفردة، فإن العولمة الثقافية تعني: سيطرة الثقافة الأمريكية على العالم، وشرعت في العمل على سيادة القيم الأمريكية لتصبح قيماً عالمية تحل محل القيم القومية.

بمعنى آخر، إن العولمة الثقافية الطاغية والمهيمنة لن تسمح أبداً لأي ثقافة قومية بأن يكون لها دور في صياغة العالم، ما لم تتخلَّ عن الكثير من منجزاتها ومرجعياتها، وأن تتنازل عن الكثير من منابعها، وهذا سيؤدي حتماً إلى صراع بين الحضارات، وليس إلى حوار بين الثقافات.
وكان لانتهاء الحرب الباردة، أن أدى لخلق وضع جديد، ما مهد لظهور أطروحات تعبر عن الفكر الرأسمالي في تعبيراته الأكثر تطرفاً. وتعتبر نظرية صراع الحضارات لـ”صاموئيل هنتنغتون” من النظريات التي أبرزت دور عولمة الثقافة. وحسب نظريته، فإن المصدر الرئيسي للصراعات في العالم لم يعد بسبب العوامل الأيديولوجية أو الاقتصادية، بل بالمعايير الثقافية، فالاختلافات بين البشر ستكون ثقافية، ومصدر النزاعات سيكون مصدراً ثقافياً، لكن ستبقى الدول والأمم هي أقوى اللاعبين في الشؤون الدولية، إذ (لن تكون الصراعات المهمة والملحة والخطيرة بين الطبقات الاجتماعية، أو بين الغني والفقير، أو بين أي جماعات أخرى محددة اقتصادياً، بل ستكون الصراعات بين شعوب تنتمي إلى كيانات ثقافية مختلفة”
ووجهت انتقادات لاذعة لنظرية هنتنغتون، لأنها أخذت الطابع الحتمي للصراع بين الحضارات، وتلك النظرة الاستعلائية والنرجسية التي سيطرت عليها، عندما وضعت الحضارة الغربية فوق الحضارات جميعاً. لذلك، لا يمكن أن تكون غاية النظرية إلا تبرير سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على سياسة العالم، والتحذير بضرورة سيطرة الغرب على العالم، والقضاء على الحضارة الإسلامية.
وتصدى الكثير من المفكرين لهذه النظرية العنصرية من خلال الحديث عن ضرورة الحوار بين الثقافات بدل التصادم والصراع، ومنهم الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي. وكان المستشرق “برنارد لويس” (كتب مطلع التسعينيات مقالة مثيرة تنبأ فيها بحتمية الصراع بين الإسلام والغرب، مؤكداً على أنهما نقيضان لا مجال للحوار بينهما)، ما يعني أن الحضارة الغربية – الولايات المتحدة الأمريكية- ليس أمامها سوى فرض ثقافتها بالقوة لتغير أنماط حياة الشعوب، وجعل قانون الغاب هو من يتحكم في العالم.
وإذا عرفنا أن الحضارة الغربية هي التي تملك القوة بمختلف جوانبها العلمية والاقتصادية والعسكرية، فإن السيطرة دانت لها، وهناك “محاولات منظمة وشمولية للإحاطة والحصار أو الاستيعاب والهضم، وأخيراً التدمير والإفناء”، هذا ما يجري اليوم تحت عناوين مثل: العصرنة، الحداثة، العولمة.
إننا كأمة عربية، نعيش أزمة حضارية رهيبة، وهذا نابع من التحديات الكبرى التي نواجهها، فإما أن ننعزل وننغلق على ذواتنا، وإما يجرفنا تيار العولمة الجارف، فماذا نحن فاعلون؟ فالذي يحصل اليوم هو “في حقيقته الصارخة تدمير مختلف تكوينات المجتمعات غير الغربية، وتهميش واسع النطاق لثقافات وخصوصيات هذه المجتمعات. إنه الغزو الثقافي بعينه”.

العولمة والمقاومة :
ليس هناك خلاف بين المفكرين العرب، على أن العولمة سيكون لها تأثيراتها العظيمة على الواقع العربي. لكنهم بالطبع يختلفون حول مدى هذه التأثيرات، ومدى مقاومة الأمة العربية وصمودها بوجهها.
فهناك رأيان: رأي يرفض العولمة، ويطالب بالتمترس حول قيم الثقافة العربية، وإحياء الموروث الثقافي القديم، والانغلاق والانزواء بعيداً عن العصرنة والحداثة، والبقاء بالتالي خارج التاريخ.
ورأي يدعو للقبول بالعولمة على ما فيها من مخاطر الاستلاب الحضاري، وسلاحه الانفتاح وعدم التقوقع على الذات.
مما لا شك فيه، أن الانزواء والتقوقع، موقف جامد وسلبي وغير فاعل، لأنه يعمل على حماية ثقافته وقيمه من الداخل، وهذا الأمر لم يعد ممكناً أو مجدياً، لأن المتصارعين لا يوجد بينهما أدنى تكافؤ أو توازن.
إننا هنا بصدد ظاهرة عالمية، عبرت واخترقت حتى البيوت الآمنة، ويملك أصحابها من القوة والتنظيم والتخطيط والوسائل الإستراتيجية، ما يجعل الانزواء والتقوقع أمراً عقيماً مآله الفشل الذريع.

أما الرأي القائل بالقبول والانفتاح على العصر، فلن يكون نصيبه من الفشل بأقل من أصحاب الرأي الأول. ويقول أصحاب هذا الرأي: “إنه لا فائدة في المقاومة ولا في الالتجاء إلى التراث، بل يجب الانخراط في العولمة من دون حدود، لأنها ظاهرة حضارية عالمية لا يمكن الوقوف ضدها ولا تحقيق التقدم خارجها”.
إن الجواب الأفضل والأمثل على ظاهرة العولمة واختراقها الثقافي، يجب أن يكون الفعل من داخل الثقافة العربية، وذلك بتفعيل مقومات الهوية القومية، لصيانة الأمة، بالثقافة “التي تجسد شخصيتها، لتحمي ذاتها وأصالتها ووجودها الحضاري من الغزو الذي يستهدف إحداث التفسخ والخلل” في الكيانية العربية، ومحورها الرئيسي الثقافة. إن تجديد الثقافة “لا يمكن أن يتم إلا من داخلها، بإعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه الفهم والتأويل لمسارها، ما يسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل”.إن ما نحتاجه حقا هو الولوج إلى ما يعرف بالثورة المعرفية والتكنولوجية؛ أي دخول عصر العلم والتقانة، لا كمستهلكين وحسب، بل كأعضاء مساهمين وفاعلين. إن امتلاكنا ناصية العلم يجعلنا مؤهلين وقادرين للانخراط في عالم المعرفة والعلم، الذي فيه النفوذ والسلطة والثروة “مقومات لا تقود فقط إلى أصول مادية اقتصادية أو عسكرية، بل إلى المعرفة ذاتها. إنه التحول الحضاري الهائل الذي يشكل النقلة النوعية المميزة لـ “مناخ العصر” المعولم”.
وبعد ذلك وحسب، نستطيع الانفتاح على الثقافة الإنسانية والتفاعل الإيجابي معها، على أساس الإيمان بقدرتنا على الأخذ منها ورفدها كذلك، ومع ما ينتجه تفاعل الثقافات، من الخروج من حالة الانغلاق والانزواء، ومقاومة الاستلاب والاغتراب والاستتباع الحضاري من جهة أخرى.

خصائص كل من العولمة والهوية الثقافية :
تسعى العولمة إلى خلق نظام عالمي نموذجي وموحد لايقبل التمايزات ولا الخصوصيات.مذهب واحد ونهائي على الصعيد العالمي.بينما تتميز الهوية الثقافية بخصائص التفرد والتعدد والاختلاف .فهناك ثلاث نماذج من الهويات الثقافية:هوية فردية داخل القبيلة أو الطائفة أو الحزب…تدافع عن الاستقلالية والتميز الفردي .ثم هناك هوية جماعية تدافع عن الخصوصيات المكونة للجماعة وان اختلفت عن باقي الجماعات الأخرى.ثم هناك الهوية الثقافية القومية أو الوطنية تفتخر بعناصرها الحضارية والثقافية المميزة لها عن باقي الأمم والقوميات الأخرى.

العلاقة بين العولمة والهوية الثقافية.
· تسعى العولمة نحو الوحدة والنمطية، بينما تدافع الهوية عن التنوع والتعدد.
· تهدف العولمة إلى القضاء على الحدود والخصوصيات المختلفة بينما تسعى الهوية الى الاعتراف بعالم الاختلافات وترفض الذوبان
· الهوية هي انتقال من العام إلى الخاص ومن الشامل إلى المحدود بينما تبحث العولمة عن العام والشامل واللامحدود واللا تجانس .
انها علاقة صراعية تصادمية بين العولمة والهوية الثقافية.فالعولمة تشبه القناص والهوية تشبه الطريدة .ملاحقة ومطاردة.فهل ستنجو الطريدة وتحافظ على بقائها ؟؟؟الواقع وانتظارات المستقبل ستجيب.ولكن ماهي فرص نجاة الهوية من العولمة في ظل سيادة وسائل وأدوات تحاول سحق الهويات والخصوصيات؟؟؟؟؟

وسائل وأدوات انتشار العولمة في المجال الثقافي:
· وسائل الاتصال والإعلام: تتجلى في القنوات التلفزيونية والفضائية وشبكة الانترنيت والجرائد والصحف والمجلات والأقراص المدمجة و الهاتف…
· الوسائل الفنية:الموسيقى والمسرح والسينما والرسوم المتحركة…
· الأدوات اللغوية: تتمثل في استعمال اللغة الانجليزية والفرنسية في التواصل والإعلام والتربية والتعليم والعمل والأماكن العمومية والخاصة.فاللغة حاملة للثقافة والحضارة الانجليزية والفرنسية .

جوانب تأثير العولمة على ثقافات المجتمعات الأخرى:
· التأثير اللغوي: استعمال اللغة الفرنسية والانجليزية في الإدارة والاقتصاد والاتصال وفي المقررات الدراسية وفي التواصل اليومي بين الفئات الاجتماعية في البيت والشارع ….
· التأثير الخلقي: يتجلى في انتشار سلوكات العنف والجنس في وسائل الإعلام والسينما والانترنيت بشكل اباحي يتناقض مع الحشمة والعفة التي لا تزال تتشبث بها المجتمعات المحافظة.
· التأثير القيمي: تتزايد محاولات نشر قيم واحدة على الصعيد العالمي في الموسيقى والملبس والمأكل- الهامبورغر والماكدولندز-والعلاقات الأسرية المتجهة نحو طغيان الفردانية …وطغيان ثقافة الاستهلاك الرأسمالي الذي يتواصل في تجدده وتنوعه وإغراءاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.