أخبار عاجلة

درس المؤلفات: تحليل رواية الحي اللاثيتي للكاتب سهيل إدريس

القراءة التوجيهية

1- عتبة المؤلف:
سهيل إدريس من رواد الرواية العرب الذين ساهموا في بلورة خطاب روائي عربي متكامل فنيا إلى جانب يحيى حقي ويوسف إدريس وطه حسين ومحمد حسين هيكل صاحب رواية زينب ومحمد المسعدي وتوفيق الحكيم وآخرين…
هذا وإن سهيل إدريس من مواليد بيروت سنة 1925م، درس في الكلية الشرعية وتخرج منها شيخا عالما ورجل فقه، وبعد تخرجه سنة 1940م تخلى عن زيه الديني وعاد إلى وضعه المدني. وبعد ذلك بدأ يمارس الصحافة منذ سنة 1939م؛ لكنه استقال ليتابع دراساته العليا في باريس قصد تحضير الدكتوراه في الأدب العربي تحت إشراف أساتذة جامعة السوربون. وقد نال فعلا شهادة الدكتوراه واستوعب جيدا الفكر الغربي وتياراته الفلسفية عن طريق القراءة والترجمة والاحتكاك المباشر.
وعند عودته، أنشأ سهيل إدريس مجلة الآداب سنة 1953م بالاشتراك مع المرحومين بهيج عثمان ومنير البعلبكي، ثم تفرد بالمجلة سنة 1956م ودافع كثيرا عن التيار الوجودي، وترجم الكثير من إبداعاته. وقد كانت المجلة دعامة أساسية للشعر التفعيلي والقصيدة النثرية والحداثة بصفة عامة.
وفي سنة 1956م، أسس سهيل إدريس دار الآداب بالاشتراك مع نزار القباني، الذي اضطر لاحقا إلى الانفصال عن الدار بسبب احتجاج الوزارة الخارجية السورية. وعمل في سلك التعليم مدرسا للغة العربية والنقد والترجمة في عدة جامعات ومعاهد. وأسس اتحاد الكتاب اللبنانيين مع قسطنطين زريق ومغيزل ومنير البعلبكي وأدونيس، وانتخب أمينا عاما لهذا الاتحاد لأربع دورات متتالية.
ومن مؤلفاته:
أشواق” قصص” 1947
نيران وثلوج”قصص”1948
كلهن نساء”قصص”1949
أقاصيص أولى”قصص:1977
أقاصيص ثانية” قصص”1977
الدمع المر” قصص”1956
رحماك يا دمشق: قصص”1965
العراء” قصص”1977
الشهداء ” مسرحية” 1965
زهرة من دم ” مسرحية”1969
الحي اللاتيني” رواية” 1953
الخندق الغميق “رواية”1958
أصابعنا التي تحترق ” رواية”1962
سراب” رواية” نشرت مسلسلة في جريدة بيروت المساء عام 1948
في معترك القومية والحرية” دراسة”
مواقف وقضايا أدبية” دراسة”
القصة في لبنان، دراسة”
دروب الحرية” ترجمة”
الغثيان” ترجمة”
سيرتي الذاتية لسارتر” ترجمة”
الطاعون لألبير كامو
هيروشيما حبيبي” ترجمة” لمارغريت دورا…..
ذكريات الأدب والحب” سيرة ذاتية” 2005
المنهل” معجم” فرنسي – عربي بالاشتراك مع الدكتور جبور عبد النور.
لقد ترجم سهيل إدريس أكثر من عشرين كتابا بين دراسة ورواية وقصة ومسرحية.
2- عتبة العنوان:
إن عنوان الرواية هو الحي اللاتيني، وهو عنوان كلاسيكي صيغ في تركيب وصفي اسمي، خبره المتن الروائي ككل. ويشير العنوان إلى المكون المكاني الذي تجري فيه الأحداث الرئيسة في الرواية. والحي اللاتيني حي الطلبة الذين يأتون إلى فرنسا من كل أصقاع العالم لطلب العلم ومتابعة الدراسات العليا الجامعية قصد تحضير شهادة الليسانس أو الدكتوراه, ويحاذي هذا الفضاء العلمي جامعة السوربون بباريس. كما أن هذا المكان يأوي الطلبة المغتربين بفنادقه ومطاعمه ويتحول إلى أندية للنقاش السياسي والاجتماعي والفكري أو ملتقى إنساني وحضاري متنوع لتعدد مشارب الطلبة على المستوى اللغوي والعقائدي، وفضاء رومانسي وغرامي يؤثث العلاقات بين الجنسين، كما يشكل صورة واضحة للعلاقة بين الشرق والغرب.
عتبة الجنس:
يمكن إدراج هذه الرواية ضمن الرواية الحضارية التي تصور العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب، أي أن الرواية الحضارية هي التي تصور العلاقة بين الأنا والآخر أو اللقاء الحضاري بين الشرق بعاداته ودياناته ومعطياته الروحية وبين الغرب بمعطياته المادية والعلمية والتكنولوجية. وقد تكون هذه العلاقة بين الأنا والآخر علاقة إيجابية قائمة على التواصل والتعايش والحوار والتكامل والأخوة والاحترام، وقد تكون العلاقة مبنية على الصراع الجدلي والعدوان والكراهية والصدام. والحي اللاتيني رواية من هذه الروايات الحضارية التي تعقد مقارنة حضارية بين الشرق والغرب، كما يمكن اعتبارها كذلك سيرة ذاتية للمؤلف الدكتور سهيل إدريس لتطابق أحداث الرواية مع سيرة الكاتب من الناحية العلمية والاجتماعية والهوية الثقافية والأدبية…ويمكن اعتبارها سيرة ذهنية على غرار سيرة عبد الله العروي أوراق والأيام لطه حسين وحياتي لأحمد أمين… مادامت تركز على المعطى العلمي والثقافي وما حصله البطل من شواهد علمية وما قرأه من كتب وما قام به من علاقات غرامية وثقافية وإنسانية.
وليست هذه الرواية هي الرواية الحضارية الوحيدة بل هناك روايات أخرى ظهرت منذ القرن التاسع عشر مع صدمة الاستعمار وطرح المفكرين والمبدعين لذلك السؤال الحضاري الجوهري الكبير: لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق؟
ومن النصوص السردية والروائية الحضارية نجد:
تخليص الإبريز في تاريخ باريز لرفاعة الطهطاوي (1834)؛
علم الدين لعلي مبارك ( 1836)؛
حديث عيس بن هشام للمويلحي ( 1905)؛
أديب لطه حسين (1935)؛
عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم (1938)
الحي اللاتيني لسهيل إدريس (1953)
قنديل أم هاشم ليحيى حقي (1954)؛
موسم الهجرة للشمال للطيب صالح (1966)
شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف (1975).
4- المعمار الروائي:
للحي اللاتيني معمار روائي يذكرنا بالأبحاث الأكاديمية والرسائل والأطروحات الجامعية، إذ قسم الكاتب روايته إلى ثلاثة أقسام وتمهيد وخاتمة على غرار المصنفات والدراسات الأدبية والنقدية والفكرية. وهذا المعمار كان لا يستعمل بكثرة في الإبداع سواء أكان شعرا أم رواية أم قصة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تأثر الكاتب سهيل إدريس ببحوثه ودراساته الأدبية والنقدية والمترجمات التي كان ينجزها. و يتكون كل قسم من مجموعة من الفصول المرقمة دون أن يسميها فصولا. ويمكن توضيح المعمار الروائي على الطريقة التالية:
تمهيد: ثلاث صفحات تقريبا.
القسم الأول: 12 فصلا أو مبحثا قصصيا.
القسم الثاني: 11 فصلا أو مبحثا روائيا أو قصصيا.
القسم الثالث: 11 فصلا أو مبحثا روائيا أو قصصيا.
الخاتمة: ثلاث صفحات تقريبا.
ويلاحظ أن الكاتب أحسن تقسيم روايته لوجود تعادل وتواز كمي بين الأقسام و بشكل نسبي بين المباحث والفصول.
ومن حيث الدلالة يمكن حصره في الشكل التالي:
التمهيد : وصول الكاتب وأصدقائه إلى الحي اللاتيني بباريس
القـــــسم الأول: إخفاق بطل الحي اللاتيني في باريس وجدانيا وعاطفيا وتعرفه على جانين مونترو
القسم الثاني: العلاقة التي كانت تجمع بين البطل وجانين مونترو وعودته إلى بيروت لزيارة أهله
القسم الثالث: تطور العلاقة الموجودة بين جانين والبطل بسبب الاختلاف الحضاري بين الشرق والغرب وقرار جنين التخلص من جنينها الذي تركته مع البطل
خاتمة: عودة البطل إلى بلده بعد حصوله على الشهادة العليا وقراره أن يبدأ حياة نضالية جديدة
4- عتبة الأيقون:
إن الطبعة التي نعتمدها في دراستنا هاته هي الطبعة الحادية عشرة “1995” الصادرة عن دار الآداب البيروتية التي أسسها سهيل إدريس نفسه مع نزار القباني. ويحمل غلافها الخارجي ثلاث لوحات أيقونية: لوحة باريس الداكنة في فصل الشتاء، ولوحة نهر السين الذي يعبر باريس، ولوحة امرأة شقراء جميلة شبه عارية. وهذه اللوحات تلمح إلى الحب والجنس والمغامرات والفضاء الباريسي بعمرانه و مؤسساته وطبيعته الوارفة الغناء.
5- عتبة النشر:
لقد تم طبع هذه الرواية في دار الآداب البيروتية التي تنشر مجلة الآداب المعروفة التي كانت وإلى الآن منبر للحداثة والتجديد والريادة، وهذه الدار سهرت على طبع الكثير من الأعمال الإبداعية التي سوقتها عربيا وعالميا وحققت نجاحا كبيرا.
ومن يتأمل هذه الرواية يجد أنها وصلت إلى أكثر من الطبعة الحادية عشرة، وهذا يعني أن لها رواجا كبيرا حيث طبع منها آلافا وآلافا من النسخ ” أكثر من 700000نسخة”، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى جودة هذه الرواية وشهرتها في العالم العربي، وبسبب ما خصص لها من إشهار إعلامي ودراسي.
6- عتبة كلمات الغلاف:
في الغلاف الخارجي الخلفي لرواية الحي اللاتيني مجموعة من الكلمات الانطباعية والآراء النقدية التي تقيم الرواية وتنقدها، وكلها تصب في تقريضها ومدح صاحبها على ما حققه من روعة فنية فيها. ومن هؤلاء نجد: ميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ وشاكر مصطفى وأحمد كمال زكي ويوسف الشاروني وعبد الله عبد الدائم.

القراءة التحليلية

المتن الحكائي

جرد الأحداث

بداية من الممكن أن يتم ادراج هذه الرواية ضمن الروايات الحضارية والتي تقوم على تصور العلاقة بين الشمال والجنوب أو حتى بين الغرب والشرق بمعنى أنها تقوم على تصور العلاقة بين الآن والآخر أو حتى يمكن أ يكون لقاء حضري بين الشرق بعاداته ومعطياته سواءا أكانت هذه المعطيات حسية أو حتى معطيات روحية وبين الشرق بكل ما يحمل من معطيات سواء أكانت هذه المعطيات أيضا معطيات مادية او حتى معطيات تكنلوجية وعلمية ، وتمثل هذه الرواية كون أن ما سبق يمكن أن يمثل علاقة تحتوي على التواصل والحوار والاحترام والتعايش فيما بين الحضارات وقد يكون أيضا عكس ذلك بمعنى أن تكون العلاقة مبنية على الحسد والكراهية والبغض والعدوان والجدل ونحو ذلك وهذه الرواية تعد من الروايات الحضارية التي تحتوي على مقارنة حضارية بين الشرق والغرب بما يمز كل منهما كما يمكن أيضا اعتبار رواية الحي اللاتيني سيرة ذاتية لمؤلفها الكاتب ( سهيل ادريس ) وذلك لتطابق أحداث الرواية مع سيرة الكاتب سهيل ادريس من بعض النواحي الاجتماعية والثقافية والأدبية ونحو ذلك ، وقد قام الكاتب سهيل ادريس بوضع بعض الأساسات لروايته الحي الثلاثيني حيث مثل أنه قام بوضع بعض الشخصيات التي تقابل بعضها البعض فمثلا فضائيا وحضاريا وضع الشرق ضد الغرب وجنسيا وضع الذكر العربي بمواجهة الأنوثة الغربية وبين اللون وضع الكاتب سهيل ادريس الأسمر العربي مواجها للشقراء الغربية وهكذا ، وقد قام بفعل كل ذلك حتى يستطيع أن يرصد التفاوت الحضاري والاختلاف الموجود بين البيئتين العربية والغربية فالأولى مكبلة بالحرمان والمنع ومربوطة بالعادات والتقاليد ونحو ذلك والثانية تتمتع بالحرية والانفتاح والعلم والاقبال على الحياة ولو في ثوبها الا أخلاقي نحو ذلك ، وكانت القصة قد تمثلت في سفر بعض من الأصدقاء برفقة صاحبهم والذي كان يؤدي دور البطولة في القصة بسفرهم من لبنان متوجهيين الى بلد غربي وهي دولة فرنسا حيث أنهم كانوا قد قصدوها بنية الدراسة وتحصيل درجات علمية كبيرة جدا الا أنهم وبمجرد وصولهم الى هذا البلد الغربي واستقرارهم في الفندق ذهبوا ليرموا أنفسهم في أحضان العهر والخمر والمجون راميين خلف أظهرهم الثقافة التي طالما تربوا عليها باثتثناء بطل القصة الذي لم يفلح في فعل ما قام به أصدقاءه فانطلق الى الشوارع ليلامس فتيات الشوارع وفتياة الأرصفة الا أن تمكن أخيرا من العثور على الفتاة الشقراء التي طالما بحث عنها والتي كانت تقطن في نفس الفندق الذ يقطن به البطل وأصحابه العرب وجمعتهما علاقة جسدية وعلاقة حب متبادلة الى أن رجع الى بيروت لزيارة أمه وفي هذا الوقت كانت قد أخبرته أنها قد حملت منه الامر الذي كان قد أنكره فانتهت علاقتهما معا وعندما أراد أن يستسمح منها على فعله وأن يتزوجها رفضت ذلك بقولها له عد أنت الى شرقيتك واتركني أنا هنا اكمل طريقي في موطني .

القوى الفاعلة

تتعدد القوى الفاعلة التي تساهم في تطور أحداث المؤلف لكننا سنركز على الآدمية منها في التحليل وهي:

1- جرد الشخصيات:

1- الشخصيات الآدمية:

تعج رواية “الحي اللاتيني” بشخصيات عديدة، لكنها لا تتخذ كلها نفس الأهمية إذ تتفاوت في نسبة صياغتها للأحداث، ولا دخل لدرجة حضورها في ذلك. “ذلك أنه مقياس ليس كافيا دائما، فقد تقل درجة حضور شخصية ما، لكن نسبة ظهورها في النص مهما كانت قليلة تكون كافية لاعتبارها رئيسة من حيث دورها وأهميتها في تصعيد دينامية النص”(2 ). من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس نبدأ بجرد الشخصيات معتمدين على مقياس أثرها وفاعليتها.

أ- الشخصيات الرئيسة:

البطل: طالب عربي في الخامس والعشرين من عمره مجرد من الاسم. جاء إلى باريس لتحضير شهادة الدكتوراه في الأدب العربي. لم يكن جميلا لكن سمرته كانت تكسبه طابعا من الرجولة لا تقابله المرأة باللامبالاة. وبما أنه كان ينظم الشعر فإن أصدقاءه، من باب المجاملة والمزح، ينادونه بالشاعر. على أنه أيقن لما زار صحبة جانين مانترو متحف “رودان الدائم” أن الذوق الفني إنما يكتسب بالعلم والممارسة والصبر. ربط علاقة مع جانين مانترو التي تختلف جذريا عن الفتيات اللواتي سبق له أن تعرف عليهن لتميزها بصفات روحية ونقاء طويتها. ومن خلال سيرورة الأحداث يتبين أن أباه قد مات، وأن أسرته تتكون من الأم وأخوين كبيرين يمتلكان متجرا، وأخيه وأخته الأصغرين اللذين  يتابعان دراستهما ونجحا في الامتحان، وأخته الوسطى التي اقتربت خطبتها من شاب ينتمي إلى أسرة محترمة. يبئر السارد وجهة نظره على أخته هدى التي تصغره بأربع سنوات. رافقته إلى قرية “ميروبا” الجميلة بحثا عن الراحة بعد أن ضاقت به الدنيا “وأصبح غريبا لا يحس الأنس والقربى” ص 209. فهو يعتقد أنها تحبه وتفهمه، واضطر إلى مصارحتها بحبه لجانين لعلها تشفق على حاله وتقدم له النصح المناسب. عانت الأسرة الأمرين من إرسال الحوالات إليه بباريس حتى يتمكن من مواجهة تكاليف الحياة وصروفها. وخاصة بعد أن أصبح أخواه الكبيران يعانيان من ضيق مالي أثر على حياة الأسرة وتطلعاتها. “شعر ببعض الانقباض للتأخر الذي يصاب به متجر أخويه الكبيرين. قرأ على قسمات أمه الأسى لذلك، وسمعها تتحدث عن الضيق الذي يعانونه منذ أشهر، وتعبر عن حزنها من أنهم لم يتمكنوا هذا العام من ارتياد المصيف على مألوف عادتهم” ص (192).

جانين مانترو: فتاة باهرة وساحرة ورشيقة، لامعة ذكاء وحسنا وبصيرة وذات ثقافة فنية رفيعة تتابع دراستها في معهد الصحافة العالي. وبما أنها تنتمي إلى أسرة متواضعة فقد اضطرت إلى العمل بمخزن “البرانتان” وذلك لتوفير مصاريف الدراسة الباهظة وقد بان الإجهاد على جسدها لكنها أصرت على المواءمة بين عملها الشاق بالمخزن واستدراك ما فاتها من محاضرات المعهد حتى تحقق حلمها الذي يتمثل في الالتحاق بإحدى الصحف الأسبوعية في مطلع العام القادم. لكن نتيجة الصدمة التي تلقتها من حبيبها العربي انحط وجودها إلى الدرك الأسفل. لقد كان من الممكن أن يأتي في الموعد ليمسك بها قبل أن تسقط في الهاوية. ومن خلال مذكراتها يتضح أنها عاشت فترة عصيبة نتيجة مرضها ونحولها فاضطرت إلى بيع كتبها وساعتها وحليتها حتى تتمكن من سد رمقها. وبعد أن أصبحت فتاة ضائعة رغم أنفها لم تجد بدا من أن تستسلم لأي عابر يمد لها مبلغا لتقتات به. ورغم خصاصتها فهي لم ترغب في بيع تمثال الأعرابيين عربونا على حبها للحبيب العربي. لقد أخفقت في مشروع زواجها بهنري إلى أن تزعزعت ثقتها بالرجل. ورغم إلحاح هنري على إعادة المياه إلى مجاريها أصرت جانين على مجافاته. وكانت تأمل من خلال علاقتها بالرجل الشرقي أن تسترجع ثقتها بنفسها وتبادله الحب الصحيح وتكون أسيرة قيوده. لكن ثقتها العمياء والمطلقة به لم تجن منها إلا صدمة نفسية قلبت حياتها رأسا على عقب. وإن كانت تنعت أصدقاء حبيبها باللطف والمؤانسة فهي تسم كل واحد منهم بميسم خاص. لم تحب في صبحي طابع الاستهتار. وتحسب أن عدنان لا يخلو من عصبية دينية، أما ربيع فينقصه الاعتدال في آرائه المتطرفة. ولم تتسرع في الحكم على فؤاد لأن شخصيته تدعو إلى التأمل، ومع ذلك تعتقد بأنها شديدة الغنى بإمكاناتها.

صبحي: طالب سوري قدم إلى باريس لنيل دكتوراه في الحقوق. تعرفت عليه الشخصية الرئيسية على ظهر الباخرة، وتقاسما الغرفة نفسها في فندق “كلود برنار” قبل أن تراودهما فكرة الانفصال عن بعضهما البعض ليعيش كل واحد منهما حياته الجديدة على هواه. استقرا في فندقين متواضعين متجاورين لقربهما من السوربون وكلية الحقوق. اختارت الشخصية الرئيسة الاستقرار في غرفة من الطابق السادس لفندق “ليغران زوم”، في حين فضل صبحي أن يقطن في غرفة بالطابق الثالث لفندق “البانتيون”. يطغى عليه طابع الاستهتار بالحياة، ويفتخر بكونه زير النساء الغربيات. له صديقة في معهد الحقوق، فتاة فارعة القامة، سوداء الشعر، مستطيلة الوجه، قسماتها تشع ذكاء وجمالا. اضطر إلى قضاء فترة الصيف في “الكوت دازور” بدلا من العودة إلى دمشق، وذلك لمراجعة المادة التي لم يفز بها.

عدنان: جاء بدوره إلى باريس لتهيئ دكتوراه في الحقوق. تعرفت عليه الشخصية الرئيسة أيضا في الباخرة التي أقلتهما إلى فرنسا، وأقام فترة من الزمن في فندق “كلود برنار”. ثم اكترى غرفة في منزل يوجد بضاحية “فانسين” لكونه شعر للوهلة الأولى بصميميته. تبدو شخصية عدنان متناقضة لكونها تشرب الخمر وتتحفظ من شربه لاعتبارات صحية. وترافق زمرة من الأصدقاء الذين يدمنون الخمر وتدعي بأنها تقوم بالشعائر الدينية (الصوم والصلاة). ينعته أصدقاؤه بالشيخ. أما جانين فتنعته بالشخصية التي لا تخلو من عصبية دينية. وبعد أن نال عدنان تهنئة الممتحنين ذهب صحبة صبحي إلى “الكوت دازور” للاستجمام. دافع عدنان عن الانقلاب الأول الذي حصل في سوريا. ويرى بأنه ضروري في هذه الفترة التي تحتاج فيها الأمة العربية إلى “مستبد عادل” يصلح ما فسد.

فؤاد: طالب سوري يدرس بمعهد اللغات الشرقية. كان له تأثير كبير على الشخصية الرئيسة. فهو بالنسبة لها يعتبر المثل الأعلى. وترى بأنه معصوم من الوقوع في الحب نظرا للهالة التي أضفتها عليه. وهو الذي أوحى لها بعد الفراغ من مشاهدة تمثيلية “العادلون” بتكوين رابطة تلم شمل الطلبة العرب المقيمين في باريس. وكان له الفضل في صياغة دستور هاته الرابطة، وإرساء دعاماتها واستضافة المحاضرين لتأطير المنخرطين. وتتميز شخصية فؤاد بغناها الشديد وإمكاناتها المتنوعة ونبلها ورفعتها الإنسانية. ويتمتع بحس قومي مرهف، ويدعو الطلبة العرب، بعد عودتهم إلى بلدانهم إلى الانخراط في الحزب الذي يعبر عن نزعاتهم وأمانيهم القومية. تخلى عن صديقته فرنسواز بعد نزاع دار حول السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا. وفي هذا الصدد يؤثر الزواج بامرأة عربية تكون فعلا رفيقة حياته وتعينه على مواجهة القضايا القومية. عاد إلى موطنه إثر تلقيه برقية من أهل تنعي أباه وتطلب حضوره على الفور. قدم في معهد اللغات الشرقية شهادتين من شهادة الإجازة. نجح في شهادة الترجمة ولم يسعفه الحظ في شهادة فقه اللغة. ويظل أمامه عمل شاق للحصول على الشهادات الأخرى. ومع ذلك لن يكره باريس ولو قضى فيها عمره كله. ومع ذلك يلح على ضرورة الرجوع إلى الوطن للمشاركة في النضال القومي.

فرنسواز: أمينة إحدى المكتبات في باريس، فتاة على قدر كبير من جمال الوجه وجاذبية الجنس. صارحها فؤاد بأن علاقتهما لن تفضي إلى الزواج. وقد اضطرا للانفصال نظرا لدعمها سياسة القمع والإرهاب التي تنهجها الحكومة الفرنسية في شمال إفريقيا.

الأم: ذات وجه صغير، متجعد وهادئ، محنك ورصين، تلم باللغة الفرنسية وهذا ما أهلها للاضطلاع على البطاقات التي كانت ترسلها جانين إلى ابنها، فتنهاه عن الزواج بالفتاة الغربية لكونها مسيحية ومتحررة وتحثه على الزواج بناهدة. ولما علمت بحمل جانين صبت جام غضبها على ابنها. استغلت ضعفه أمامها وخوفه منها لتملي عليه القرار الذي ينبغي له أن يبلغه إلى جانين. ولكن بعد تفكير في الأمر بروية، فضل أن يهرب منها حتى يتحرر من عبوديته وانقياده لها. ولما جاءته رسالة فؤاد عمقت لديه الإحساس نفسه بحيث كانت بالنسبة له بمثابة صفعة السوط لضميره المستيقظ.

ناهدة: فتاة لبنانية حصلت على شهادة الباكلوريا، ومنعتها أسرتها من متابعة دراساتها العليا. ستكون عما قريب من نصيب “ابن الحلال” (البطل). استاءت أسرته وأسرة الفتاة لما علمتا بأنه سيمضي سنتين في باريس لإتمام رسالته. عاوده الحنين إليها مرات عديدة في قلب باريس. وهو يرى أن علاقته بها مبهمة وغامضة وإن كان يتلهف للقائها في دفء غامر. لم تصرفه حياته الجديدة عن طي صفحتها نهائيا. فهو لا يعتبر تجربته معها تافهة وإنما “بريئة ونقية”. ولهذا ينعتها بالساذجة والمسكينة. ولما عاد إلى منبت نبعه، واختلى بها تبين له أنها تمثل صورة الفتاة الشرقية في أي مكان من أرجاء الوطن العربي الكبير. لم تكن هذه الصورة جديدة تتكشف له. إنه يعرفها منذ أن غادر وطنه إلى باريس. ولكنها الآن تبدو له في ذروة تكشفها وغاية انحسارها: “لقد رأى الفتاة الشرقية، الفتاة العربية، تتراجع أمام الشاب العربي، أي شاب، عربيا كان أم أجنبيا، أمام الرجل وعيناها طافحتان بالخوف منه، رواسب من الخوف تجمعت أجيالا في هذه الخطوة”. ص (197). عاتبته على عدم مراسلتها فداراها في جوابه متذرعا بكثرة انشغالاته. تذكر أن أمه وعدتها بهدية منه، فاقترح عليها أن تأخذ كتابا من الكتب التي حملها معه. ونظرا لضيق الوقت فضلت أن تنسحب بعد أن ينتخب لها واحدا منها.

ب- الشخصيات الثانوية:

ربيع التونسي: طالب تونسي متخصص في التاريخ. له علاقة مع سيمون. تعرفت عليه الشخصية الرئيسة لما استدعيت لأول حفل بمنزل كامل. لقد ساعدها على تجاوز الخجل لمراقصة زينة. ألقت الشرطة الفرنسية القبض عليه وأوسعته ضربا إثر مشاركته في المظاهرة التي قام بها طلاب إفريقيا الشمالية احتجاجا على سياسة التعسف التي تخضع بها فرنسا أوطانهم. وبعد أن أفرج عنه أعيد إلى تونس وظل محجوزا فيها، وحظر عليه الدخول إلى فرنسا.

 أحمد العراقي: طالب عراقي يتابع دراساته في كلية الطب. غادرته صديقته الفرنسية لتربط علاقة مع زنجي. وفيما بعد وطد علاقة مع إفيت. أرشد أحمد الشخصية الرئيسة إلى كهف “برغولا” الذي أصبحت تتردد عليه جانين بعد اختفائها عن الأنظار. لما رأى الهراوات تنهال على صديقه التونسي من شرفة الفندق الذي يسكنه مع بعض رفاقه العراقيين، نزل السلم بسرعة مجنونة لإنقاذه: “ولولا أن لحق به أحد رفاقه وأمسكه دون الخروج لأصيب هو أيضا بهروات الشرطة، بل ولسيق إلى السجن” ص (206). نجح في امتحان السنة الخامسة بكلية الطب، ثم ذهب إلى إسبانيا لقضاء عطلته بها.

تيريزا: تعمل خادمة في فندق “ليغران زوم”، تبلغ من العمر ستا وأربعين سنة، أرملة فقدت زوجها في الحرب العالمية الثانية. تعيل أولادها الأربعة والذين لا يتجاوز أكبرهم الثانية عشر سنة. لم تتعلم في حياتها من الناس إلا اللطف من أجل أن ترده إليهم مضاعفا. ربط معها البطل علاقة ود ومجاملة، وأنس إليها، وكان يجد راحة في محادثتها واستفسارها عن انطباعاتها حول جانين. ولما اشتدت حاجته إلى المال اقترض منها مبلغا ماليا بعد تردد. سلمته له واعدة إياه بأن تعيره مثله في مطلع الأسبوع القادم. “ولكن لا تنس أنني عاتبة عليك. إنك لم تكن لطيفا أبدا حين احتجت إلى المساعدة وترددت في طلبها” ص (206).

عينة من الشباب العربي المتحرر: وندرج ضمنهم كامل وزهير وأسعد ونصري. فهم قد ألقوا الرصانة التي كانت ترهق أكتافهم في بيروت ليعيشوا في باريس حياة منطلقة لا يحد حريتها قيد؛ ونضيف إليهم سامي الذي جاء إلى باريس في زيارة خاطفة، فبادر إلى الاتصال بالشخصية الرئيسة التي كانت تلتقي به في مقهى “الروشة” ببيروت لتبادل وجهات نظرهما حول قصائدهما وانتقاد شعر الآخرين. وبعد أن عرف سامي صديقه على “ليليان” طلب منه أن يبرز براعته في اجتذابها إليه والظفر بها لما يعود إلى لبنان. فهذه الشخصيات على تباين مشاربها تعتبر قدوة للشخصية الرئيسة إن هي أرادت أن تنسجم مع الحياة الباريسية، وتتساوق مع جوها المفعم بالصخب والمرح.

عينة من الفتيات العابرات: تعرف البطل على فتاة في سينما “البانتيون” وتجرأ على ملامسة جسدها والاحتكاك بها ودس في يدها ورقة يوعدها فيها على اللقاء أمام السينما في الغد. لكنها لم تأت موجهة ضربة موجعة للشاب العربي الذي عانى من الحرمان والكبت. لما غادره سامي تركه مع صديقته “ليليان”. وبذل البطل كل ما في وسعه لإرضائها وكسب مودتها ولما قادها إلى غرفته بفندق “كلود برناد” لم يفطن لحيلها وخداعها إلا بعد فوات الأوان. فهي انتحلت قصيدة “فطور الصباح” للشاعر الفرنسي “جاك بريفير” مدعية أنها شاعرة موهوبة. ثم سرقت مبلغا ماليا من محفظته. وفي هذا الصدد قال له صديقه صبحي: “على أية حال… إن من يسرق شعر رجل مثل جاك بريفير لن يتورع عن سرقة مال رجل مثلك” ص (59).

التقى مع فتاة اسمها مارغريت في باحة الفندق مصادفة. واستقدمها إلى غرفته دون ممانعة. لكن لما أشبع رغبته بسرعة مفجرا مكبوتاته التي تراكمت مع مر “السنين، واجهته بهذه العابرة الصادمة” كلكم هكذا أنتم الرجال .. أنانية قذرة”. وطلبت منه الابتعاد عنها دون أن يدرك مغزى مجافاتها له. “لم تكن مارغريت بائعة لذة بل طالبة لذة. وأغلب الظن أنها تخيلت أنها واجدة لدى الفتى الشرقي ما لم تجده لدى فتيان الغرب. ولكن في اللحظة التي خيل فيها إلى الفتى الشرقي أن “اللقاء الأعظم” قد تحقق وأنه قد وهبها زهرة رجولته، عندها رأى أنها “تسارع بالنهوض ثائرة الأعصاب متقلصة القسمات، تتمتم كلمات لا تبين، ولا تنم إلا عن غضب مكبوت”.

عينة من المناضلين القوميين: عرف فؤاد صديقه الطالب اللبناني على فئة من مواطنيه الذين كانت لهم خدمات مشهودة في حقل التعليم. أتوا إلى العاصمة الفرنسية لاستكمال التخصص العالي في الفلسفة والأدب. وقد أسهمت هذه الفئة الواعية في رسم خطوط واضحة في التوجيه الوطني والقومي، وإلقاء محاضرات لتأطير المنخرطين في الرابطة وشحذ إرادتهم وهمهم. “فإذا هي محاضرات قومية واجتماعية تتناول قضاياهم الماسة وتعالجها في كثير من المنطق والعلم والإخلاص أيضا” ص (236).

2- الشخصيات غير الآدمية:

كما أسلفنا الذكر، في الفصل النظري، فإن القوى الفاعلة في الخطاب الروائي لا تنحصر فقط في الكائنات الآدمية كما يوحي بذلك مصطلح “الشخصيات”. بل إنها تشمل كل ذات منخرطة في الفعل داخل العمل السردي سواء أكانت هذه الذات آدمية أم غير آدمية، كأن تكون حيوانا أو جمادا أو أفكارا أو قيما… وعليه، فانطلاقا من هذا التصور، نجمل مختلف القوى الفاعلة غير الآدمية في رواية “الحي اللاتيني” وفق ما يلي:

*القيم والأفكار والمشاعر: الحرية – الحب – اللامبالاة – الإنسانية – الوجودية – الحرمان – الكآبة – القنوط – الكبت – القومية – التكافل – النضال.

*الجمادات: تمثال الأعرابيين- نهر السين- فندق “ليغران زوم”- الحي اللاتيني — بيروت.

*المؤسسات: السوربون- المسرح- المقاهي – المتحف.

*الوقائع: الانقلاب العسكري في سوريا- سياسية القمع الاستعمارية في شمال إفريقيا – نكبة فلسطين.

يلاحظ أن هذه القوى الفاعلة غير الآدمية قد لعبت هي الأخرى دورا كبيرا في الدفع بعجلة السرد وتغيير أو تعديل مواقف البطل في غير ما مرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعتبر كل من الحرمان والكبت والكآبة كمشاعر، محفزا ودافعا لانتقال البطل من الشرق المتزمت إلى الغرب (باريس) المتحرر. كما ساهمت فكرة القومية في جعل البطل وفؤاد ينتصران للشرق رغم تزمته ضد الغرب، رغم تفتحه.

2- ديناميتها ومنزلتها:

يستدعي استخلاص البنية العاملية للرواية برمتها إعادة توزيع الشخصيات كقوى فاعلة وفق العلاقات التالية.

أ- علاقة الرغبة:

تربط هذه العلاقة بين من يرغب (الذات) وما هو مرغوب فيه (الموضوع القيمي). على المستوى السطحي يتضح أن الشخصية الرئيسة قد قدمت إلى باريس لمتابعة دراستها العليا. أما على المستوى العميق فيتبين أن هناك عوامل نفسية أقنعتها بمغادرة وطنها. “أنت على يقين أن هذه السنوات الأخيرة كانت في حياتك إخفاقا. إخفاق هو الذي أقنعك بأنه ينبغي لك أن تبلو حياتك وتجربها في أعمق مجالاتها” (ص 10). لا نجد في الرواية أي مؤشر يعلل هذا الإخفاق أو يكشف عن بواعثه. لكنه بالاحتكام إلى الجو العام للرواية يتضح أن له علاقة بالجانب العاطفي. وهذا ما حفز الشخصية الرئيسة على الرحيل إلى باريس بغية تحرير الذات مما راكمته من ضروب الحرمان والكبت، وتتنفس هواء جديدا مفعما بمعاني الحياة الجديدة ومباهجها.

ب- علاقة التواصل:

وتقتضي هذه العلاقة وجود مرسل ومرسل إليه. ولا يمكن للمرسل أن يتواصل مع المرسل إليه إلا إذا كلف الذات بإدراك الموضوع القيمي بمقتضى ميثاق يجمع بين الطريق. وفي تساوق مع علاقات الرغبة يتضح أن ما حفز الشخصية الرئيسة على الرحيل عن بيروت هو الإخفاق الذي تعرضت له خلال السنوات الأخيرة. ولهذا وجدت في الذهاب إلى باريس ذريعة لإتمام دراستها العليا من جهة، وتضميد جراحها الناجمة عن الإخفاق من جهة أخرى.

ج- علاقة الصراع:

يمكن لهذه العلاقة أن تعيق العلاقتين السابقتين أي (علاقة الرغبة وعلاقة التواصل). وبقدر ما يوجد الطرف المعيق الذي يحول دون وصول الذات إلى الموضوع المبحوث عنه، يوجد طرف آخر مساعد يؤازرها ويساعدها على ذلك. فبمجرد أن أقلعت الباخرة التي تقل البطل إلى باريس، شعر بأن قوتين متعارضتين تتجاذبانه. قوة الشرق وقوة الغرب. ويرمز المنديل الذي تهاوى من بين أصابعه إلى قوة الشرق التي بدأت مساحتها تتراجع في قلبه لتكتسحها قوة الغرب بآمالها وأحلامها. حاول جاهدا  أن ينخرط في الحياة الجديدة بما أوتي من حماس واندفاع لكنه لم يستطع ولم يكن قرار الزواج الذي اتخذه في آخر المطاف صادرا عن وعي وقناعة، وإنما إشفاقا على الوضع الذي آلت إليه جانين من جرائه. وفي ضوء ما سبق تتشخص البنية العالمية للرواية كالتالي:

المرسل: الإخفاق الذريع- الرغبة في تحضير الدكتوراه.

الموضوع: – الانخراط في الحياة الجديدة – إنجاز رسالة عن الشعر العربي الحديث.

المرسل إليه: باريس (الحي اللاتيني).

المساعد: كل الأصدقاء الذين ساعدوا الشخصية الرئيسة على مسايرة إيقاع الحياة الجديدة ومنهم “جانين مانترو”.

الذات: الشخصية الرئيسة.

المعيق: الأم التي تحرص على التشبث بالتقاليد الشرقية.

من خلال هذه العلاقة يتبين الدور الذي نهضت به جانين مانترو لإدماج الشاب العربي في الحياة الجديدة. وهذا ما اقتضى منها أن تحبه كما تحب المرأة الرجل في الشرق. لكن اتضح لها فيما بعد أنه لم يكن في مستوى الآمال التي علقتها عليه. فبدلا من أن يمسك بيدها لينقذها من الأزمة التي حفتها من كل جانب، يدفعها إلى الهاوية إذ تتحطم حياتها، وتتلاشى آمالها ومطامحها وتجد نفسها “فتاة ضائعة”، تتقاذفها أمواج الحياة حيثما شاءت.

الفضاء الروائي:
نقصد بالفضاء الروائي المكان وزمان القصة في ترابطهما الجدلي والفني والسردي. فأحداث الرواية تقترن بفضاءين متناقضين: فرنسا ولبنان، وهما يشيران إلى التفاوت الحضاري بين فضاء روحاني وفضاء مادي. فلبنان بالنسبة لبطل الحي اللاتيني فضاء الحرمان والكبت والقهر والعادات المحافظة أما فرنسا فهو فضاء التحرر والانعتاق الوجودي. ويبقى الحي اللاتيني هو الفضاء الأساسي في الرواية لأبعاده التربوية والإنسانية كما أنه ملاذ للمحرومين جنسيا وعاطفيا. وتتقابل كذلك باريس الحرية مع بيروت التقاليد والمحافظة لتشكل شخصية البطل في صراعها الذاتي والموضوعي.
أما زمان القصة، فإن كان غير محدد بشكل جلي ولكن يمكن أن نموقع القصة في فترة ما بين الأربعينيات و الخمسينيات لانتشار الفكر الوجودي وإقبال الشباب على كهوف سان جيرمان لإثبات وجودهم الجنسي والمصيري والتحرر من قيود العقل وأنظمة المنطق، والإشارة إلى خضوع الوطن العربي للاستعمار.
ت- مكونات الخطاب الروائي:
1- الوصف:
يتسم الوصف عند سهيل إدريس بالإيجاز والاختصار؛ والسبب في ذلك أن الرواية تنبني على الأحداث ووظائف الشخصيات مما أثر على الوصف.
ولقد اهتم سهيل إدريس بوصف الشخصيات فوصفها وصفا بيانيا رائعا فيه سحر أخاذ كوصفه لفتاة السينما:” واسترخى في مقعده سعيدا كالطفل، فرحا بقرب هذه الفتاة التي يشعر بنكهة الفتوة تفيض من أردانها. كانت ترتدي بنطلونا طويلا مرسلا في وحشية لذيذة، دون ما تفنن. أما وجهها، فلم ير إلا الجانب الأيمن منه: وجه طفل تبرق فيه عين زرقاء، وشفتان تلتمعان بحمرة شفافة تحييها بسمة ساذجة”
إن هذا الوصف يعتمد فيه الكاتب على الأوصاف والنعوت والتشبيه والاستعارات المجازية لتزيين الموصوف وتجميله. وقد يركز الكاتب على الوصف الخارجي الفيزيائي بطريقة موجزة ومختصرة تخالف طريقة المدرسة الواقعية التي تعتمد على التفصيل والإسهاب والإستقصاء كما عند نجيب محفوظ وعبد الكريم غلاب ومبارك ربيع:” فلم يقتنع عدنان ولم يشأ أن يمضي في النقاش. وما لبثوا أن طرقوا باب منزل في ضاحية ” فانسين” أخذوا عنوانه من أحد المكاتب، ففتحت لهم سيدة لا يبدو أنها تتعدى الثلاثين من عمرها، ممشوقة الجسم، سمراء الوجه، ذات سحر وإغراء. وقد استقبلتهم باسمة مرحبة وأدخلتهم غرفة مؤثثة نظيفة طلبت ثمانية آلاف فرنك أجرا شهريا لها. كما وصف الكاتب الفضاء بأشيائه كوصفه لغرفة جانين بعد سأمها الوجودي وضياعها النهائي: “ويدخل، فيغلق الباب، ويراها تخلع سترتها وترمي بها على سرير منخفض صغير قائم في الزاوية. وإذ ذاك رأى ثيابها. كانت ترتدي مثل اللباس الذي رآه في ” برغولا”. وأجال بصره في الغرفة. إنها نصف غرفتي، نصف غرفتها في ” ليغران زوم”. وبالقرب من السرير، كانت تقوم طاولة قصيرة القوائم. وفي الزاوية المقابلة أريكة ذات مرفقين، أتجه إليها متمهلا، فانخسفت به حين اقتعدها.

ويلاحظ على وصف الأشياء الإيجاز بالمقارنة مع روايات بلزاك أو فلوبير؛ والسبب في ذلك يعود إلى افتقار غرفة جانين إلى الأثاث لفقرها وعوزها. ووصف الكاتب بعض الأمكنة إيجازا واختصارا:”على أنه ما عتم أن ضاق بغرفته نفسها، فغادرها عند الغروب إلى ساحة الأوبرا وفي نيته أن يشاهد واجهات المخازن المزدانة لمناسبة الميلاد، بكل رائع فتان من المعروضات. وقد ظل ساعة ينتقل أمام الحوانيت المضاءة، حتى أسلمته قدماه إلى جادة ” الشانزليزيه”، وكان قد اجتازها مرة من أدناها إلى أقصاها، فاستشعر لذلك لذة غريبة

الرؤية السردية:
يستند الكاتب في تقديمه للحبكة السردية إلى الرؤية من الخلف أو التبئير الصفري لاعتماد الكاتب على ضمير الغياب والراوي الواحد الموضوعي الذي تنازل إلى درجة الصفر لكسب الحياد وعدم التدخل في الأحداث. وتتسم معرفة الراوي بكونها معرفة شاملة ومطلقة تتعدى ماهو خارجي على ماهو داخلي كأنه الإله الخفي، ويعني هذا أن السارد يتوارى وراء ضمير الغائب ليقدم وجهة نظره ورؤيته للعالم والكون والإنسان. وإليكم مقطعا سرديا يحدد لنا هذه الرؤية المطلقة التي تدخل الرواية ضمن زمرة الروايات الكلاسيكية التقليدية:”وأغضت جانين مونترو، فأدرك هو أن نظرته المحددة قد آذتها. والحق أنه لم تكن له في ذلك حيلة، فقد كان في عينيها الزرقاوان صفاء لم يعهده في عينين قبلهما. وكان يحس، وهو ينظر فيهما، أن نظراته تستحم في مياهها الدافئة، بالرغم من أنها نظرات خاطفة هاربة، بل من أجل ذلك بالذات. وقد شعر بهذا منذ التقت عيناه بعيني جانين للمرة الأولى، فكان كل همه بعد هذا النظر الهارب، ويثبته في نظره، حتى يتاح له أن يسبر أغواره. وكان الفتاة إذ أغضت، قد أدركت ذلك، فصرفت عنه هذا النظر الذي يود أن يحتفظ بأسراره”
وللسارد وظائف يقوم بها في هذا النص كوظيفة السرد والتعليق وتقديم الأحداث والتنسيق بين الشخصيات والتأثير في المتلقي من خلال الوظيفة الانفعالية، بالإضافة إلى الوظيقة الإيديولوجية التي تكمن في تقديم الفلسفة الوجودية والدفاع عنها في هذا النص الروائي كأطروحة فكرية للاختبار والتمحيص.

بنية الزمن في الرواية:
وظف الكاتب نسقا زمنيا كلاسيكيا متناميا ومتسلسلا في تطوره السردي والكرونولوجي المتعاقب، إذ انطلق من الحاضر إلى المستقبل أو من لحظة الوصول إلى باريس إلى لحظة العودة إلى بيروت بعد حصوله على شهادة الدكتوراه كأن الزمن السردي في النص زمن دائري: بيروت- باريس- بيروت. وعلى الرغم من تسلسل الأحداث منطقيا وسببيا وكرونولوجيا فهناك انحرافات زمنية إما: إلى الماضي لاسترجاعه” فلاش باك”أثناء تذكره للبنان وناهدة وأسرته وأصدقائه وإما في استشراف للمستقبل لما ينتظره من طموح وتطلع علمي ونضالي أو لقاء غرامي ورومانسي.

الصياغة الفنية:
استعمل الكاتب في صياغته الفنية لمتنه الروائي على السرد ، ولكن لم يكتف بهذه الطريقة الأحادية في التعبير بل وظف الحوار للتعبير عن مواقف الشخصيات واستنطاق وجهات نظرهم ومنظوراتهم الإيديولوجية، كما شغل الأسلوب غير المباشر الحر الذي يختلط فيه كلام السارد والشخصية والذي يتحول في عدة مقاطع نصية إلى منولوج أو مناجاة تعبر عن الصراع الداخلي والتمزق النفسي:” ولكن هذا كله ما معناه، وما مناسبته؟ أليس هو تعلة تتعلل بها من خيبتك؟ أية خيبة هي؟ فتاة وعدت بالمجيء، وأنا لم أطلب إليها ذلك، ثم لم تأت، فليس في الأمر ما يعنيني، وإنما يعنيها هي أنها كاذبة. أما أنا، فقد ذهبت إلى السينما لأشاهد ذلك الفيلم الرائع، وكان لقائي بها لمصادفة عابرة أستطيع أن أنساها بالسهولة نفسها التي تمت بها. أي ضير في هذا؟
أما لغة الرواية السردية فهي لغة بيانية وإنشائية تذكرنا بلغة الرافعي وطه حسين والمنفلوطي، تمتاز بنصاعة التعبير وسلاسة الألفاظ والتعابير الموحية والصور البلاغية الرائعة في الجودة والانتقاء، كما أنها لغة شاعرية في التشخيص، ثرية في تراكيبها ومعاجمها. ومن حقولها الدلالية نجد: حقل السفر- حقل الذات- حقل الجنس- حقل العلم- حقل الحب- حقل النضال.
أما الخطابات التي تتضمنها الرواية فنذكر الخطاب الفلسفي” الوجودية”، والخطاب الأدبي” الشعر العربي الحديث”، والخطاب الديني” تصورات عدنان”، والخطاب السياسي” تصورات فؤاد”…
وبناء على ما سلف يمكن القول: إن الحي اللاتيني رواية كلاسيكية في أسلوبها وبيانية في لغتها الأدبية على غرار رواية زينب لمحمد حسين هيكل أو عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم.

ث- الأبعاد المرجعية في الرواية:
1- البعد الفلسفي:
تندرج رواية الحي اللاتيني لسهيل إدريس ضمن الروايات الوجودية التي ترتكز على مقومين أساسيين وهما: الحرية والمسؤولية. أي أن هذه الرواية تصور عبث الشخصيات وقلقها ومللها وتحررها من القيود الاجتماعية والأخلاقية بحثا عن ذواتهم. ولكن تبقى الحرية عند البعض فوضى واستهتار مثل: صبحي وعدنان، وعند البعض الآخر مسؤولية كفؤاد وبطل الرواية.” إن تعبير الحي اللاتيني عن الفكر الوجودي الذي التزم به المؤلف، لاتقل أهمية عن المضامين العديدة الأخرى التي ناقشتها الرواية من خلال اللقاء المتعدد الآثار بين الشرق والغرب، إن لم تكن تلك المضامين نابعة أصلا من موقف عام أملاه هذا الفكر في نظرته إلى الإنسان والواقع وحركة الحياة. وهكذا كان الفكر أبرز ما يسم رواية الحي اللاتيني التي تعد بداية انفتاح المؤلف ” البطل”على الفكر الغربي بصورة مباشرة، ويتضح ذلك بصورة خاصة في قضايا المرأة والالتزام الوطني والقومي والسياسي، والمفارقة بين الموقف الثقافي والموقف الاستعماري في الحضارة الأوربية.”

البعد الاجتماعي:
تناقش الرواية كثيرا من الظواهر الاجتماعية و الحضارية كالتفاوت الموجود بين الشرق والغرب على مستوى العلم والثقافة والفكر والفلسفة والفن، ومعاناة العالم العربي من التخلف والاستعمار والجهل والاستبداد السياسي والحرمان الاجتماعي وتردي القيم. كما تشير الرواية إلى نكبة فلسطين وضرورة النضال الوطني والقومي.
وتشير الرواية كذلك إلى البعثات الطلابية إلى الخارج وانسياقهم وراء ملذات الحياة والتيارات الإلحادية المنحرفة والانغماس في الجنس والخمرة والاستهتار اللاأخلاقي. وتعكس كذلك منظومة الزواج في العالم العربي ، واستعداد الشباب العربي المثقف للنضال والتضحية من أجل التحرر من الاستعمار والتخلف.

البعد النفسي:
تتميز شخصيات الرواية بالطابع الوجودي وبخاصية الاستهتار والعبث واللاجدوى والخوف والقلق واليأس. فبطل الحي اللاتيني عند وصوله إلى باريس كان يحمل معه نفسية شرقية يطبعها الحياء والانطواء والانعزال والحرمان والكبت والشذوذ، إذ استقصد باريس للارتواء الجنسي باحثا عن المرأة للتلذذ بها أو الاجتماع بها وجوديا. وقد أحس بالإخفاق والإحباط العاطفي وتعرض للخوف والقلق والاغتراب الذاتي والمكاني ولم يستطع أن يتكيف لا مع شرقه المستبد الممل ولا مع الغرب العبثي. وينتقل البطل بعد ارتباطه بجانين إلى التغني بالفردية والنرجسية بعيدا عن الهموم الجماعية والنضال الوطني. لينتهي به المطاف إلى الفكر الجماعي وعزمه في الأخير على النضال والتحرر.

ج- القراءات النقدية:
هناك عدة دراسات قاربت رواية الحي اللاتيني، فهناك من اكتفى بتلخيص الرواية كما فعلت خالدة سعيد في كتابها حركية الإبداع، وهناك من قاربها من الناحية الفنية كالدكتور إبراهيم السعافين ” تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام”، وهناك من حاكمها أخلاقيا مثل : عيسى الناعوري ورضوان الشهال اللذين أدانا البطل ووصفاه ” بأنه سفيه خسيس ارتكب عملا لا أخلاقيا بتخليه عن الفتاة التي أنجبت منه، وخرجا من ذلك بأن المؤلف ، مثل بطله، سفيه خسيس”. ونجد إلى جانب ذلك دراسات تقريضية أشادت بهذه الرواية وأبانت روعتها الفنية والجمالية مثل: نجيب محفوظ و ميخائيل نعيمة ويوسف الشاروني وأحمد كمال زكي وشاكر مصطفى وعبد الله عبد الدائم ….

القراءة التركيبية

من المفيد لا شك العودة الى الكلاسيكيات والروايات المؤسسة بين الحين والآخر. هذه رواية جيل. جيل ما بعد نهاية الانتداب في المشرق العربي وبدايات الحركات التحررية الكبرى في مغربه. الجيل الذي ذهب الى هذا المستعمر بعد ذلك لينهل المعرفة من جامعاته ولكن ايضا من شوارعه و مقاهيه ودور سينماه و مسارحه ونسائه. هو جيل النزعات القومية العروبية الذي اعتقد ان كل ازمات ومشاكل الوطن العربي ستنتهي بتوحده. هو جيل ترك بلاده على عجل للتحرر من سطوة الام/العائلة/الوطن/المجتمع واكتسب وعيا سياسيا في “مهجره” جعله يعود الى حضن الام/العائلة/الوطن/المجتمع ولكن هذه المرة من اجل التغيير.

رواية لا ريب اننا لو وضعناها خارج سياقها التاريخي وخارج سياق الرواية العربية قد تبدو لنا مملة، بثيماتها المستهلكة والبعيدة عن واقع عالمنا، بلغتها البائدة، والاشكاليات المطروحة التي نكاد لا نستطيع ان نقرأها دون ان نضحك لطوباويتها ولمراهقتها.

يبقى ان سهيل ادريس ينجح في بعض الاحيان ان يلفتك في اماكن قليلة ببعض التقنيات السردية الجيدة وبعض اللمعات. اما الحوار/المونولوغ الداخلي للشخصية الرئيسية فهو غير مقنع على العموم. رغم انني انسقت بعد انقضاء منتصف الرواية مع هموم هذه الشخصية، مسايرة وليس اقتناعا. ولكن هذا بحد ذاته انجاز للروائي. اعجبتني ثيمة علاقة الرجل الشرقي بوالدته، ولو ان طريقة المعالجة والمقاربة التي لم تتحلل من رمزية الام/الوطن/المجتمع افقدت الفكرة اهميتها.

في المحصلة، رواية جديرة بالقراءة رغم كل شيء، لا تستهلك اكثر من يوم او يومين لانهائها، خصوصا بعد انقضاء الفصل الاول، وهي تكتسب كل اهميتها من انها من الروايات القليلة، ان لم تكن الوحيدة التي نشرت في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي عن الحقبة ذاتها، خلافا لكل الروايات التي تتناول هذه الحقبة والتي كتبت فيما بعد (اذكر هنا مثلا رواية غازي عبد الرحمن القصيبي، شقة الحرية) وهي روايات لا “تطرق على الحديد وهو حام” وبهذا المعنى فهذه الرواية تذكرني ببعض روايات فرج الله حايك التي كتبها بالفرنسية في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي عن مرحلة الانتداب الفرنسي للبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *